حوزة كربلاء على عهد شريف العلماء
العالم الرباني الشيخ شريف العلماء من رجال الثقافة الواسعة، والفكر العميق في الأصول، واسع الإحاطة في نظرته إلى الأمور، يستخلص منها النتائج والدروس والعبر، وهو في ذلك سيد البصيرة النفّاذة والإحاطة الشاملة في واقعية متميزة. كان يقوم بمهمة التدريس في مدرسة حسن خان العلمية المتصلة بالصحن الحسيني الشريف وكان يجتمع تحت منبره زهاء ألف عالم مجتهد. لقد ظفر بحسن السمعة في جميع ما اخترق من الميادين، ولا يستكثروا عليه أن يكون من أفاضل أهل العلم أكابر المربين وأشاوس الفرسان، وأماثل الواصلين، لأنه كان يعمد إلى الإبتكار والتجديد والإبتداع في محاضراته. ولا شك أن آثاره مجموعة نفيسة تنفع أجزل النفع في توجيه الشبان إلى التخلّق بأخلاق الأبطال، وأن العالم الحق لا يخلو قلبه أبداً من التسامي إلى كرائم المقاصد وشرائف الغايات. فهو الشخصية الأصيلة التي تحتل الصدارة في الحوزة العلمية، رجلٌ قضى دهره وهو مشغولٌ بالتأليف، رجل يحدثنا عن مؤلفاته التي بلغت العشرات في موضوعات مختلفات، وتشهد قوة تعبيره وغزارة علمه، ومؤلفاته تقنعنا بأنه لم يعرف غير الحياة العلمية، فهو يكتب في الفقه والتوحيد والأصول والنحو والبيان وبالتالي فهو من المطلعين على ذخائر العلوم الشرعية والدينية، وله توجيهات لكلام من سبقوه. ولا ننسى أنه كان إماماً من أئمة الدين، ولا يحتاج إلى من يشهد له بصحة الدين فهو من عظماء المؤمنين الذين أخذوا على عاتقهم السهر على شؤون الحياة العلمية في حوزة كربلاء، فضرب بذلك المثل الأعلى في إخلاصه.
ذكره صاحب كتاب (الروضة البهية) قائلاً: (محمد شريف بن ملا حسن علي المازندراني مسكناً ومدفناً ولا بأس بذكر جملة من أحواله فنقول أنه من أصل آمل ومازندران ، والظان أن مولده في كربلاء المشرفة ببالي أنه المسموع ... الشريف وعاش في كربلاء أكثر عمره الشريف واشتغل أولاً على السيد الأستاذ أقا سيد محمد بن أقا سيد علي الآتي ذكرهما ثم على أستاذه أقا سيد علي والد السيد الأستاذ ومن تسعة ستين في الأصول والفقه فصارَ محسوداً بين الحاسدين ومستغنياً عن الاشتغال وقابلاً للإفتاء ومجتهداً بصيراً وجامعاً لجميع الشرائط المعتبرة يقول إنه في مجلس المباحثة مع أستاذه لم ينتفع منه في آخر المدة ويعجز عن جوابه الأستاذ كثيراً ويتغير عليه فلذا ارتحل إلى ديار العجم وبقي في كل مدينة شهراً وشهرين أو أشهر واشتغل بالسياحة ومنظوره تحصيل الأسباب والكتب ولم يتمكن منه أو يعنه أحد لا من العلماء ولا من الظلمة والرؤساء فرجع مع أبيه -رحمهما الله- بعد زيارة مولانا ثامن الأئمة إلى كربلاء شرفها الله تعالى وحضر مجلس أستاذه للاستفادة ولكنه لم ينتفع لأن أستاذه قد صار شيخاً معمّراً فاشتغل هو بالمطالعة والمباحثة وجدّ كمال الجهد حتى صار مدرّساً ماهراً لم يسمع بمثله الأيام ولم يوجد لا سابقاً ولا لاحقاً وصار مجلسه مملوءاً من العلماء والعظماء وببركة أنفاسه الشريفة ترقّى في جمع كثير في مدة يسيرة من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد وكنت أول من أجازه وكان بِرّاً بي كمال البرّ والتلطف والمرحمة وخصّني من بين أقراني بالتوصيف والتعريف وإظهار المرحمة، جزاه الله عني وعن سائر تلامذته أفضل جزاء المحسنين ...الخ).
وذكره الملا حبيب الكاشاني في كتابه (لباب الألقاب) فقال: (ومنهم الشريف وهو محمد شريف بن الملا حسن علي المارندراني المعروف بشريف العلماء وكان أصولياً بحتاً مؤسساً لقواعد شريفة لم يُسمع بمثلها ويجلس في محضر درسه أزيد من ألف فاضل ومن جملتهم الشيخ المرتضى المشار إليه والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وكان مقرراً له حتى قيل أن الضوابط من تقريراته وسعيد العلماء البارفروشي والسيد شفيع البروجردي وكان من تلامذة الميرزا القمّي المشار إليه والسيد علي صاحب الرياض وكان في أوّل أمره من كمال الفقر والفاقة ولكن حكى أن بعض أعيان بارفروش بنى له مدرسة سماها المدرسة الشريفية وزوجه ابنته فصار في رفاهية ويسر فإنّ مع العسر يسرا وتوفي في سنة خمس وأربعين بعد الألف والمائتين).
وذكره الميرزا محمد علي المدرس في كتابه (ريحانة الأدب) فقال ما ترجمته: (من أعظم الفقهاء الأصوليين في أواسط القرن الثالث عشر الهجري جامع المعقول والمنقول وخاصةً في الأصول، وفي الحائر المقدس له مجلس درس عظيم يحضره أكثر من ألف طالب علم من أعاظم رجال الحوزة منهم سعيد العلماء البارفروشي المازدندراني والشيخ مرتضى الأنصاري وملا أقا الدربندي وصاحب الضوابط والسيد محمد شفيع الجابلقي والملا اسماعيل اليزدي وغيرهم من النظراء الذين كانوا تلامذة في الحوزة وكان في أواخر أيامه يعظم الملا إسماعيل أستاذه ويرجحه حتى أخذ يدرس بعد وفاته. وشريف العلماء من تلامذة السيد المجاهد وصاحب الرياض ورسالة (جواز أمر الأمر مع العلم بانتقاء الشرط) وفي سنة 1245هـ توفي في كربلاء بسبب الطاعون ودفن في داره بالقرب من الجهة الجنوبية من صحن الحسين عليه السلام - .
وعقّب على ما ذكره المؤرخون صاحب الأعيان بقوله: ولد في كربلاء وتوفي فيها سنة 1245هجرية ودفن قرب باب القبلة. شيخ العلماء ومربّي الفقهاء مؤسس علم الأصول جامع المعقول والمنقول نادرة الدهر وأعجوبة الزمان. قرأ أولاً على السيد محمد المجاهد ثم قرأ على والده صاحب الرياض في الأصول والفقه حتى استغنى عن الأستاذ ولم يعد ينتفع بدرسه فسافر إلى أبيه في إيران وساح فيها وبقي في كل بلد شهراً أو شهرين فزار الرضا عليه السلام ورجع إلى كربلاء وحضر درس صاحب الرياض فرأى أنه لا يستفيد من درسه فصار السيد معمراً فاشتغل بالمباحثة والمطالعة واجتمع في درسه الفضلاء حتى زادوا على الألف منهم السيد إبراهيم صاحب الضوابط وملا إسماعيل اليزدي الذي كان في آخر أمره يرجح على شريف العلماء صار في مكانه في التدريس لكن لم تطل مدته ومات بعده بسنة وملا أقا الدربندي وسعيد العلماء البارفروشي والشيخ مرتضى الأنصاري والسيد محمد سعيد الجابلقي صاحب الروضة البهية وغيرهم، وكان يدرّس درسين أحدهما للمبتدئين والآخر للمنتهين وقلما رؤي مثله في تأسيس قواعد الأصول وقد صرف عمره على تربية العلماء فلهذا كان قليل التصنيف ومصنفاته على قلتها لم تخرج إلى البياض وكان أعجوبة في الحفظ والضبط ودقة النظر وسرعة الانتقال في المناظرات وطلاقة اللسان له يد طولى في علم الجدل وكان له ولد توفي سنة وفاته وانقطع نسله.
ونقل الأستاذ نور الدين الشاهرودي: في عهد الرئاسة العامة لشيخ العلماء ومربي المجتهدين ومعلم الفقهاء الفحول المولى محمد شريف بن المولى حسن علي القبيسي المازندراني الحائري المعروف بشريف العلماء، أخذت الحوزة العلمية في كربلاء زخماً قوياً وطاقة إضافية، نظراً لأن حلقات درسه وأبحاثه وتقريراته الفقهية والأصولية اجتذبت إلى مدينة كربلاء المئات بل الآلاف من الفضلاء والطلاب المبتدئين والمنتهين.
وتحدّث عن مدرسته فقال: تقع في زقاق كداعلي المتشعب من شارع الحسين الرئيسي، وهي كائنة بجانب مرقد المربي العظيم والعالم النحرير وأستاذ المجتهدين، وإمام المحققين الشيخ شريف العلماء المازندراني الحائري المتوفي سنة 1245هجرية وهي من المدارس العلمية الدينية في كربلاء وتحتوي على 22 غرفة في دورين، يسكنها طلاب العلوم الدينية بينهم عدد من الطلاب الأجانب، وقد بادر بتأسيسها المجتهد الأكبر والمرجع الديني السيد محسن الحكيم المتوفي سنة 1390ه وجعلها وقفاً على طلاب العلوم الدينية في كربلاء والنجف في سنة 1384هجرية .
عاش الشيخ شريف العلماء حياة عريضة خصبة كانت بالغة الأثر، فقد كان من المفكرين الذين رسموا الطريق الفكري للنهضة العلمية، وكان إلى ذلك زعيماً فقيهاً ومثلاً أعلى للعبقرية، أرى فيه الرجل الذي تتوافر فيه صفات القوة والتجرد والأمانة، وهو بلا شك لا يلحق شأوه ولا يشق غباره، أستاذ ماهر، وجهبذ باهر، حسن السمت كثير الصمت مع زهد وورع وتقوى وصلاح.