يقع هذا المجلس في شارع العبّاس (مصرف الرهون السابق)، أسّسه المرحوم الحاج محمد رشيد الچلبي الصّافي رئيس بلدية كربلاء المقدسة الأسبق المتوفّى سنة 1355هـ/ 1936م، كان – رحمه الله- من الوجهاء الصّلحاء ينزع إلى حبِّ الفضيلة والخير، وكان معززًا مبجّلًا، تجسّدت فيه فضائلُ العرب والإسلام، ويكفي برهانًا على ذلك ما يدلّ عليه، يرتاد ديوانه الأدباءُ والشعراءُ ووجوهُ القومِ، ومنهم: السيد جعفر الحِلّي، والشيخ محمّد علي اليعقوبي، ومن كربلاء المقدّسة الشيخ عبد الحسين الحويزي، والشيخ موسى الهر، والشيخ عبد الرحمن الكويتي، وكان الأخير صاحبَ أخبارِ وأشعار وروايات، فقد كان هذا الديوانُ شامخًا بأهله وأبناء أسرته.
جاء في كتاب "البابليّات" ما هذا نصّه: حدّثني المرحوم صاحب المعالي الشيخ أبو المحاسن الكربلائي، قال: كان السيد جعفر الحلّي في إحدى زياراته إلى كربلاء المقدّسة قد اشترك معنا في تشييع جنازة أحد أشراف البلد، وهو المرحوم محمّد أمين چلبي آل صافي، فما فرغ القومُ من دفنه حتى أكمل في رثائه قصيدةً عصماء تنيف على أربعين بيتًا يعزّي في آخرها ولد المتوفّى وابن أخيه الحاج محمّد رشيد وباقي الأسرة، ومطلعها:
لتبكِ ربوعُ المجدِ ملءَ جفونـِها

فقد أصبَحت مفجوعةً بأمينِها

والقصيدة مثبّتة في ديوان السيّد الحلّي المطبوع، في"حرف النّون".
وكان من قرّاء هذا المجلس المرحوم السيد صالح الحلّي، المتوفّى سنة (1359هـ/1940م ) الذي كان يمارس الخطابةَ في المحافل الحسينية حتى تألّق نجمه واشتهر اسمه، إذ امتاز بقوّة أسلوبه وحُسن بيانه الذي يستهوي به قلوب الناس.
وقد حصل هنالك خلافٌ بينه وبين السيّد محسن أبو طبيخ، فارتقى المنبر في ديوان الحاج محمّد رشيد، فتعرّض للسيّد محسن أبو طبيخ بهذين البيتين وفيهما تورية، حيث قال :
ذرّية "الزهراء" إنْ عُدِّدَتْ


يوماً لتلقى الناسُ فيها الثّنا

فلا تعدّوا "محسناً" منهمُ

لأنها قد أسقطت "مُحسِنا"

كان يحضر مجلسَ هذا الدّيوان العُلماءُ والأدباءُ ووجوه المدينة، منهم: السيّد حسن أغا مير القزويني، وهو من أكابر علماء عصره وفقهائهم، كما يحضر السيد أحمد الأصفهاني العالم المبرّز والد السيد أغا حسين الأصفهاني، ويحضره الشيخ محروث الهذّال شيخ عشائر عنزة حيث يجلب إليه الطّعام من "الرزازة" مع والده فهد بك، والطعام يشمل "حنطة وشعير وماش" ليباع في السيف العائد للچلبي، إذ كان الچلبي محلّ اعتماد عائلة فهد بك الهذّال وابنه الشيخ محروث، حيث توطّدت بينه وبينهم علاقات متينة، فهو يقوم بإنجاز معاملاتهم متى قصدوا المدينة، وكان محترمًا لدى الحكومة الإنكليزية وأيّام الحكم الوطني.
وفي عام 1346هـ/ 1927م زارت العائلة المالكة كربلاء المقدّسة وتشرّفت بزيارة المرقدين الشـريفين ، وكان نزولها في دار الحاج محمد رشيد الچلبي، ثم زار الملك فيصل الأوّل كربلاء المقدّسة للمرة الثانية وحلّ ضيفًا في دار الحاج محمّد رشيد أيضًا.
وعندما أودى القدَرُ بالملك فيصل الأوّل، أقام الحاج محمد رشيد الچلبي الصّافي حفلًا تأبينيًا في ديوانه مساء يوم 8 أيلول سنة 1933م الموافق 9 جمادى الأولى سنة 1352هـ، وقدّم الهدايا للشعراء والأدباء الذين أبّنوه، وألقى الشاعر محّمد الخليل العماري قصيدة في هذا المجلس، مطلعها:
أيُّ رِزءٍ أذاب منّا الفؤادا

ومصابٍ قد فتَّتَ الأكبادا

كما كان يعقد مأتمًا للإمام الحسين- عليه السّلام- في العشرة الأخيرة من شهر صَفر من كل عام، وكان خطيبه المرحوم الشيخ محمّد علي اليعقوبي.
وفي يوم ذكرى وفاة الرسول الكريم –صلّى الله عليه وآله وسلّم- يعمل إطعامًا يحضره عددٌ غير قليل من أعلامه كربلاء المقدّسة وفضلائها، وحين ينفضُّ عقد المجلس من كلِّ ليلةٍ يتأخّر بضعةُ أنفار من أولئك الفضلاء، ويتحوّل مجلسهم إلى مجلس أدبيِّ خاص.
انتخب الحاج محمّد رشيد عضو إدارة في دورات متعددة، وانتخب رئيسًا للبلدية للأعوام 1327هـ- 1340هـ = 1920- 1922م.
توفّى – رحمه الله تعالى- سنة 1355هـ/ 1936م ودُفن في مقبرة خاصّة له في الرّواق الشمالي من الرّوضة العباسية المقدّسة.
أمّا في عهد نجله الحاج محسن الچلبي فقد كان هو الآخر يستقبل وجوه كربلاء المقدّسة وشخصياتهم لاسيما الشيخ محروث الهذّال وأولاده، وعند توسيع شارع العباس() ، هُدم هذا الديوان، ثمّ أصبح الجزء المتبّقي منه بنايةً لمصـرف الرهون، وعند توسيع الشارع مرّة أخرى ذهب ضحيّة الشارع الجديد.