أخذت مسألة حجّية الظن بُعداً كبيراً في المدرسة الأصوليّة الكربلائيّة، إذ إنَّ المدار على استنباط الأحكام الشرعيّة في هذه العصور هو على الظنّ الـمُطلق أو الظنون الخاصّة، ومن الواضح ما لهذه المسألة من أهميّة للفقيه والأصوليّ؛ إذْ به يتشخَّص ما هو الحجّة في عِلم الفقه، والذي عُدّ موضوع علم الأصول الذي تدور حوله مسائله.
وممّن تصدّى لتحقيق الحقّ في هذه المسألة المهمّة العلّامة الفقيه الشيخ عبد الوهّاب بن محمّد علي القزوينيّ الملقّب بالشريف (ت: 1270هـ) من أعلام الجيل الثاني لتلامذة الوحيد البهبهانيّ - قدّس سرّه - فكتب كتابه الموسوم بـ (عَلَم الهداية في غياهبِ الظُّلمات لإدراكِ الأحكام الشرعيّة) والّذي صنّفه أيام إقامته بالحائر الحسينيّ كما صرّح بذلك في ختام كتابه، وقد عمدت وحدة التحقيق في مركز تراث كربلاء لتحقيقه اعتماداً على ثلاثِ نسخٍ خطّيّة، فجاءت مقدّمة التحقيق في مبحثين وخاتمة، وجاء المبحث الأوّل في ترجمة المؤلِّف، اسمه ونسبه، تاريخ ولادته و وفاته، سفراته، أسرته، كلمات العلماء في حقِّه، أساتذته، تلامذته، مؤلّفاته.
أمّا المبحث الثاني فجاء للتعريف بالكتاب وبيان موضوعه ومباحثه، فيما جاءت الخاتمة في النُّسخ المعتَمَدة، وهي نسخة مكتبة العتبة الرّضويّة، نسخة المكتبة الفيضيّة، ونسخة مكتبة كاشف الغطاء، ثمّ منهج التحقيق.
وقد ذكر مؤلّف الكتاب في مقدّمته أنّه رتّب كتابه على مقدّمتين، وثلاث مقالاتٍ، وخاتمة.
المقدّمة الأولى: في تحقيق العِلم، وحقيقته اللغويّة، ومعنى العِلم العقليِّ والعاديِّ وما فيهما نقضاً وجواباً.
المقدّمة الثانية: في أنَّ حُسنَ الأشياء وقبحها قد يختلف ويتبدّل باختلاف الجهة وتبدّلها.
المقالة الأولى: في بيان حكم الظنِّ من حيث الذات من غير ملاحظة صفات من حُسنٍ وقبح عند أولي الألباب، وأنّه لا حُسنَ فيه يوجب المدح كالعدل، ولا قبح فيه يوجب الذمَّ كالظلم، بل حكمه بهذا الاعتبار، الجواز بالمعنى الخاصّ. وفيها جواز التعبّد بالخبر الواحد عقلاً، وعدم صلاحيّة ما احتجّوا به عليه دليلاً.
المقالة الثانية: في أنّ المدار في الأحكام الشرعيّة وموضوعاتها على العِلم مطلقاً عندنا فقيهاً كان أو متفقّهاً، ولا يجوز الاستناد إلى الظنِّ أوّلاً ، وبالذات ما لم يقم دليلٌ وضرورة عليه.
المقالة الثالثة: في أنَّ المدارك الظنّيـّة النقليّة – على تفصيل – تقوم مقام القطعيّات عند حصول العِلم الإجمالّي، وانسداد باب العلم التفصيليّ وعدم المحيص عنه، كما هو الشأن في تفاصيل غالب الأحكام الشّرعيّة، وبعض ما يتعلّق بها، وبيان عدم اختصاص ذلك ببعض دون بعض، بل كل ما هو كذلك فهو حجّة إلّا ما أخرجه الدّليل.
الخاتمة: في بيان وجه جمع بين كلمات الأصحاب الذين اختلفوا في هذا الباب، وسبّب إحداث تنويع الأخبار، واختلاف الاصطلاح والمسلك من هؤلاء الأجلّاء من أولي الألباب، وأنَّ الحكمَ الشرعيَّ في الحقيقة لا يستندُ إلّا على العلم القطعيّ.
وبعد هاتين المقدّمتين جاء الكتابُ الـمُحقّقُ تبعته الفهارس الفنيّة، ثمّ فهرس بالمحتويات، وقائمة بإصدارات مركز تراث كربلاء، وإصدارات المركز قيد الإنجاز.