من خطباء المنبر الحسيني في كربلاء
الشيخ هادي الكربلائي
هذه صـورتي وقد كُنتُ حَّيــاً أتحلّـى بمَـنطِقٍ وبـيانِ
يـأنسُ السامِعُ المحُبُّ لصوتي ومثالـي يُسِـرُّهُ إذ يَراني
وأنا اليومُ قد غَدَوتُ مثالاً مِـنْ قضاءِ الإلهِ قد وافاني
صِرتُ مِـنْ طالبين رَحمَةِ رَبَّي هُوَ ربّي حاشاهُ أن ينَساني
فِلأجلِ الحُسَيْن يارَبُّ عَفْواً عَن حَقيرٍ يَرجُوكَ في كُلَّ آنِ
من أبيات للمرحوم الشيخ هادي الكربلائي (رحمه الله):
صوتٌ كان وما زال وسيبقى صداه يجوب دون توقّف في الآفاق وفي الأذهان والعقول والضمائر والقلوب ، أحبَّ كربلاء وأحبته فأخلص للمنبر الحسيني, ونذر نفسه له حتى آخر لحظة من عمره؛ استطاع من خلاله أن يوصل رسالته للناس , فقد فتح المنبر له آفاقاً واسعة , أطلَّ من صهوته بصفحة من صفحات تاريخه العريق ، فراح يؤكِّد عمق انتمائه وإيمانه بالقضية الحسينية وأهدافها ومبادئها , ولقد التحمت روحه بروح الحسين وتعطرت أنفاسه بنور الحسين (عليه السلام ) وامتزجت عبراته بذكرى الحسين (عليه السلام) وحلق في أفق الحسين (عليه السلام) في العليين فرفض أن ينزل إلى كوكب التراب, وترك أثره في ضمائر الناس ودخل قلوبهم بوجهه النيّر ومحاضراته ومراثيه المليئة بالحزن واللوعة والأسى, فكان كالناعي لأهل المدينة(بِشـر بن حذلم) لكربلاء, فتجذَّر صوتُ الطفِّ في ضميره وترسَّخ صداه في عروقه.
إنه الشيخ هادي بن الشيخ صالح بن مهدي درويش الخفاجي الكربلائي المولود في دار جدِّهِ لأمهِ بمحلة الشيخ بشّار في بغداد عام 1326هـ /1908م ، ينتسب لعائلة (آل عجام)، من قبيلة خفاجة . كان يسمى بــ(المسيباوي) نسبة إلى مدينة المسيب التي ورث فيها أراضي وأملاك عن آبائه وكان يقصدها بين الآونة والأخرى لإدارة شؤونها.
نشأ الشيخ هادي الكربلائي في رعاية والديه نشأةً صالحة، وتلقى تعليمه الأولي على يد والده (رحمه الله) حيث درس الفقه والأصول ، قبل أن يسكن كربلاء ويُكمل دراسته في مدرسة الصدر الأعظم النوري (التي كانت تقع غرب صحن الروضة الحسينية المقدسة بجانب باب السلطانية) والمدرسة الزينبية (التي كانت تقع بجانب باب الزينبية في الجهة الغربية للروضة الحسينية المقدّسة) متتلمذاً على يد الشيخ محمد الخطيب (رحمه الله) ، فقرأ عليه العلوم الفقهية و شرح قطر الندى لابن هشام الأنصاري ، وألفيّة ابن مالك عند الشيخ محمد العماري (رحمه الله) في مدرسة العلّامة الخطيب (التي كانت تقع في محلة المخيم)، ثم اتّجه بعد ذلك نحو دراسة الخطابة الحسينية وتتلمذ على يد خطيب كربلاء البارع المعروف الشيخ محسن أبو الحب الصغير(رحمه الله) المُتوفّى سنة (1369هـ الموافق 1950 م).
حذق الشيخ هادي الكربلائي في العربية وبرع في فنونها ، ونظم القريض فبرع فيه، وتفوّق في مضمار الخطابة، وسَمَتْ منزلتُهُ لدى العام والخاص فأصبح من اللامعين والسبّاقين في هذا الميدان , امتلك الكربلائي مواهب عديدة أنعم الله بها عليه إذ كان سريع البديهية معروفاً بطراوة حديثه وسلاسته وسرعة توصيل ما يبتغي إلى المتلقي, فقد أمضى أكثر من نصف قرن من عمره الكريم وهو يرتقي المنبر حتى أصبح مدرسةً يتعلَّم منها الخطباء قبل المستمعين واتّخذ أساليباً معينةً انفرد فيها في الإنشاد ، وكان لصوته الرخيم الأثر الكبير في اجتذاب الدموع الساخنة من محبي سيد الشهداء الامام الحسين -عليه السلام-, إرتاد مجالسه الحسينية جمهورٌ كبيرٌ من المستمعين .
يُعد الشيخ مبتكراً لطرق النياحة (الاطوار المنبرية الحزينة ) كما أبدع كثيراً في ايجاد الطور البحراني وذلك بقراءته أشعار ابن فائز والجمري بالإضافة الى ألوان الركباني والأبوذية والموشَّح والطويل والنواعي والحداء التي كان يغذيها بأشعارٍ من نظمه ؛ فهو قادرٌ و متمكن من السيطرة بإلقاء الشعر الفصيح والشعبي واختياره الأطوار الملائمة لتلاوته.
ومن الابيات الأبوذية التي قرأها الشيخ الكربلائي بطريقة أهل العراق في العزاء:
بالمهاد أعيوني تسجب العبرة بالمهاد على الضلوا على الغبرة بالمهاد
طفلهـم ما بعـد ينهـز بالمهـاد أو هـزَّت رقبتـه أسهـام المنّيــة
يقول عنه السيد داخل السيد حسن في كتابه (من لا يحضـره الخطيب): إن الشيخ هادي مدرسة مستقلة في الخطابة الحسينية الخالصة, منفرد بإسلوبه النائح, متميز بصوته الشجي الساخن , مُجيدٌ لمختلف الطرائق والأطوار المنبرية التي يتفاعل معهما الجمهور ولاسيما الجماهير الحسينية في الخليج وخصوصاً الطريقة المشهورة هي( الشعر الفائزي والطور البحراني) :
هليت يا عاشور بلحزن ومصائب وبيك السبط في كربلا توسد ترايب
وضلت بنات المصطفى عكَبه غرايب بعد المعزه والخدر تركب على كور
كان ولعاً بالشعر منذ مطلع شبابه وتفجّرت قريحته كالماء المتدفّق فنظم القصائد والمقطوعات من الفصحى والدارجة (العامية) ، وكانت معظم أشعاره في مدح ورثاء آل البيت-عليهم السلام- , فتدفق الشعر على لسانه , موظفاً مبادئ النهضة الحسينية وأهدافها فيه ومما كتبه في رثاء الامام الحسين -عليه السلام-:
ياللـي تناشـدني عليمـن تهمـل العيـن كـلّ البكا والنـَّوح والحسـره علـى أحسـين
* * *
لســتُ أنسى الحسينَ حين تلقَّى من عداه بالطفِّ خطباً جسيـما
طلــبوا منه أن يبايع رجسـاً مـن بني حرب فاسقاً وزنـيـما
كما برع الشيخ في فن التخميس والتشطير للقصائد التي كان مولعا بترديدها لشعراء مشهورين ومن شعره نماذج تدل على مقدرته وتمكنه من العربية لغةً وقواعداً واستيعاباً لمفردات ادخلها بطريقته ضمن اشعاره ومما يذكر عنه إجادته للغة الفارسية كلاما ونظما للشعر وظفها في اغراض اجتماعية وغيرها ومنها:
الله يَومَ الطفَّ ما قد جَرى فيهِ مِنَ الحُزن ومَا قد عَرى
يَومٌ به ظعُن الأسارى سرى عَزَّ على الكرَّار لَوْ أن يرى
حاسِرَةَ بَيْنَ العِدى زينبا
بقيت اشعار الشيخ هادي مخطوطة مدة ليست بالقصيرة بعد وفاته حتى قام نجله الشيخ بهاء بجمعها و تحقيقها وإظهارها الى النور في ديوان طبع في عام 2003م سمي بأسمه ديوان الشيخ هادي الخفاجي الكربلائي, كما صدر كتيَّبٌ عن دار الكتاب والعترة في بيروت بعنوان العبور إلى جهة القلب-هادي الكربلائي صوت الحزن ومرفأ الدمعة .
ونقلاً عن الشيخ بهاء نجل الشيخ هادي يقول ((من الميزات التي كان يمتاز بها الوالد رحمه الله- هي سرعة البديهة في خلق جوِّ حسيني أمام أي موقف يعترضه وفي أي مجلس يجلسه ، وقد حدَّثنا الوالد عن موقف حدث له في مجلس آل كمونة المعروف في كربلاء حيث يقام مجلس عزاء في صباح العشرة الاولى من المحرم الحرام من كلِّ عام ، ويمتاز هذا المجلس بحضور كبار علمائنا و شخصيات سياسية لها مكانتها في المجتمع الكربلائي ، وفي احدى المرات عندما كان الوالد مرتقياً المنبر وعندما وصل الى ( الكوريز ) للمصيبة جاءه شيخ من بيت فتح الله ليخبره بقدوم السيد محسن الحكيم -قدس سره- ، وكما وهو معلوم من براعة الشيخ الكربلائي فإنه يجعل من خطابته تحية للمقابل والربط بواقعة الطف ، فوجّه كلامه بتعزية سماحة السيد الحكيم -قدس سره - لاستشهاد جده الإمام الحسين -عليه السلام- ثم استرسل في قراءته للمجلس مخاطباً السيد قائلاً له مولانا عند حضورك الى المجلس أكان مجيئك من النجف الأشرف مروراً بضريح الإمام الحسين -عليه السلام- أم بالخيام ؟ فإن كان مرورك على الخيام ، هل رأيت وسمعت جيش اللعين يزيد ينادي احرقوا الخيام ..فهل أحرقوا الخيام ؟ وإنْ كان قدومك من ضريح الإمام الحسين -عليه السلام- فهل رأيت الشمر اللعين جالس على صدره الشريف.. وتابع بقراءته المصيبة , ولما أكمل المجلس والتقى بالسيد الحكيم -قدس سره- قال له: أنت مؤيَّد يا شيخ هادي.
الموقف الآخر كان مع السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي -قدس سره- فقد كان للوالد مجلس في عگد اليزدية مقابل مدرسة ابن فهد الحلي في بيت الحاج مجيد الملقب ( أبو الكلاوات وهي جمع كلاو ويعني غطاء الرأس أي العرقجين ) وصادف أن حضر السيد الخوئي -قدس سره- وكان الوالد قد قرأ بعض الجُمل باللغة الفارسية ولما انتهى المجلس قال له السيد -قدس سره- بلغني أنك خطيب بارع بالعربية وأنا أشهد أنك خطيب بارع بالفارسية ؛ أما الشيخ الدكتور أحمد الوائلي -رحمه الله- فقد قال لو أردتُ أنْ أستمع الى مصيبة الامام الحسين -عليه السلام- لاستمعتُ لها بصوت الشيخ المرحوم هادي الكربلائي .
عاش الشيخ محنة الانتفاضة الشعبانية وحصلت كرامة عظيمة له ولأولاده انقذته من بطش النظام ، حيث كانت الأوامر البعثية قد صدرت باعتقال كل من بلغ ( 15) سنة فما فوق ، فهرب من هرب واعتقل من اعتقل إلاّ أن الشيخ رفض اخلاء بيته هو واولاده وعندما دخل أزلام النظام بيت الشيخ جاءتهم الأوامر بالانسحاب فوراً ، فخرجوا دون أن يتعرّضوا لأحد من عائلة الشيخ هادي الكربلائي.
مهما مرَّت الأيام تبقى ذكرى الشيخ العطرة تفوح في سماء كربلاء واذا ما ذكرت كربلاء ومصيبتها فلابد أن يكون للشيخ الكربلائي حضوراً قوياً ؛ فهو الذي حلَّق في سماء اللغة العربية وأبدع في فنونها ونظم الشعر فيها ، ولكثرة ما كان يردد هذه الأبيات قبل أن توافيه المنية بلحظات حسب ما يذكر من كانوا بقربه في تلك اللحظات حيث يقول :
مازال يلهجُ في عزاك لساني حاشاك في يوم الجزا تنساني
يا ابن النبيِّ المصطفى ووصيِّه وابن البتولة خيرة النسوان
حاشاك في يوم الجزا تنساني
ويستمر نجله الشيخ بهاء في سرد حياة والده فيقول: لازم الوالد -رحمه الله- المنبر الحسيني طوال حياته ولم يغب الحدث الحسيني عن وجدانه, وكان يراه في كلّ ما يثير لواعجه وأشجانه ، واستمر على إحياء مجالس الامام الحسين - عليه السلام- الى حين مماته ليلة يوم الأحد ( جمادي الآخرة عام 1412هـ الموافق عام 1992م ), وجرى له تشييعٌ مهيبٌ حضـرهُ العلماء والأدباء والشعراء والخطباء وجماهير غفيرة من أهالي المدينة، فشُيِّع من داره بمحلّة باب بغداد ثم إلى الروضتين المقدستين، وبعد ذلك انطلق موكب التشييع إلى مثواه الأخير في وادي كربلاء الجديد.
ومن الشعراء الذين قاموا بتقريض الشيخ هادي هو الشاعر الأديب الشيخ يحيى آل راضي الإحسائي:
يامَـن سكتنا عن هواه توغـلاً بالتـيه نرصدُ في السواد نهارا
عُدْ للنشيج على الحُسَين جراحنا طوفان دمعٍ يهدم الأسوارا
وأرخ وفاته الشاعر المؤرخ تيسير سعيد الأسدي بالأبيات التالية:
ها هو المنبرُ في الطفِّ ينادي قد ثوى في كربلا صوتُ الرشادِ
أيها الباكي على مُبكي العبادِ كربلا أرِّخ (بـكت لـلشيـخ هادي) 1412هـ
وكذلك أرخ وفاته الشاعر المؤرخ محمد زمان الكربلائي بالأبيات التالية:
أرَّخْ لكَ النعيمُ بالعِبادِ طوبى لشيخ الخُطَباءِ هادي
50+ 201+110 27+ 940+644+20
1992
وقد نشـرت صحيفة القادسية في عددها الصادر بتاريخ 8/1 /1992م خبر وفاته كالآتي (بمزيد من الأسى والأسف ينعى خطباء كربلاء وأدباؤها الفاضل الشيخ هادي الشيخ صالح الخفاجي الكربلائي من أعلام الخطابة والأدب عن عمر جاوز الثمانين عاماً).
وقد أُقِيمت على روحه الفاتحة في ديوان آل كمونة في كربلاء تغمَّد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته و( إنَّا للِهِ وإنَّا إليهِ رَاجِعُون).
م.م. حسن علي عبد اللطيف المرسومي / وحدة الدراسات / مركز تراث كربلاء
الشيخ هادي الكربلائي
صور من الموضوع ...