اعتاد المسافرون منذ قرون عديدة أن يقطعوا طرق أسفارهم على شكل محطات يكمل بعضها بعضاً ، وكانت تلك المحطات أماكن يستريح فيها المسافر تعرف بـ(الخانات) التي انتشرت على طرق التجارة والقوافل ، تقدِّم خدماتها إلى المارين عبرها ، وقد انتشر واتَّسع إنشاء تلك الخانات في العراق في القرن السابع الهجري داخل المدن وخارجها ، فأصبحت مواقع تلك الخانات تشكل خريطة تراثية لطرق السَّفر والترحال آنذاك ، مازال الكثير منها شاخصاً حتى يومنا هذا يربط الحاضر بالماضي البعيد ويحفظ بين زواياه تراثَ قرون مضت .
وتعد مدينة كربلاء المقدسة واحدة من المدن التي زخرت بالخانات على محاورها المتعددة ، وما ذلك إلّا دليل على حجم ما كان يقصدها من الرائحين إليها والغادين عنها إلى الديار المقدسة ، إذْ تضمُّ تلك المدينة المقدسة ثلاثة أنواع من الخانات منها ما بُني داخل مركز المدينة ضمن منطقة الأسواق أو بالقرب منها ، ومنها الخانات الموجودة في محيط المدينة، والنوع الثالث ما يعرف بخانات القوافل التي بنيت على طرق المسافرين البعيدة عن المدينة ومحيطها.
فالخانات داخل المدينة التي تغيرت معالمها الآن لكثرة التغييرات العمرانية التي مرّت بها ما تعرف حاليا بـ(المدينة القديمة) ومرات التوسعة التي شهدها محيطها ، إلّا أنَّ كتب التراث حفظت لنا أماكن الخانات ومسمياتها ومميزات بنائها ، إذْ تختلف الخانات داخل مدينة كربلاء المقدسة من حيث مساحتها وعمارتها ، ومن أبرز تلك الخانات خان الباشا ، خان الدهن ، خان حميد الدهان ، خان البارودي ، وخان السيد مهدي الهندي ، وغيرها الكثير من الخانات التي كانت موجودة في كربلاء المقدسة.
أما ما يتعلق بالخانات المحيطة بمدينة كربلاء وبالقرب من مركزها فهي تختلف عن الخانات الموجودة في مركز المدينة والخانات المنتشرة على طرق القوافل ، من حيث حجم الخدمات المقدمة وسعة الخان وموقعه ووسيلة النقل المستخدمة إلّا أنها تتشابه إلى حدٍّ كبير في التصميم العمراني مع الخانات في المدينة وعلى طرق القوافل ، حيث يتوسطها فناءٌ مكشوف تحيط به الغرف المطلّة عليه ، وتتميز هذه الخانات أيضاً بأسوارها العالية وبواباتها المرتفعة الضخمة ، وكذلك باستخدام العناصر العمارية كافة كالعقود والقباب ، وباستعمال مواد البناء المحلية ( الآجر والجص).
ويعد النوع الثالث المتمثل بخانات القوافل من الشواهد الحيَّة على عراقة العمارة العراقية وأهميتها إبّان العهدين الصَّفوي والعثماني في كربلاء والعراق عموماً ، إذْ أنّ طبيعة المناطق الصحراوية التي أُنشئت فيها تلك الخانات والبعيدة عن مراكز المدن ومحيطها تطلبت سعة أكبر و تحصينات أكثر مما هو عليه الحال في النوعين الآخرين ، زيادة على التدعيم بالأسوار العالية و فتحات في الجدران لرمي السهام في حال تعرض الخان إلى هجوم خارجي، مع بقاء التشابه في التصميم العمراني بشكل عام والمتمثل بالفناء المكشوف الذي تطلُّ عليه مجموعة من الغرف تتقدمها الأروقة التي تعلو واجهاتها أقواس دائرية أو مدببة الشكل.
لقد تعرضت معظم خانات القوافل في أطراف مدينة كربلاء إلى أضرار كبيرة بسبب الظروف الجوية والعوامل الطبيعية، فيما أصاب التغيير قسماً منها نتيجة الصيانة غير المدروسة ، ممّا أزال أجزاءَ من معالمها العمرانية الأصلية. ومن أبرز تلك الخانات خان العطيـشي ، خان النخيلة ، وخان العطشان. أما الأول فيقع في ناحية الحسينية إلى الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على الطريق القديم الذي يربط بين كربلاء وبغداد ، وقد اتُّخذ في مدة ما مخفراً لشرطة الناحية ، وفي الوقت الحاضر تشهد معظم جدرانه و أواوينه تداعياً. أما خان النخيلة فيقع على طريق كربلاء النجف ، ويبعد عن مدينة كربلاء المقدسة حوالي 14 كم إلى الجنوب الـشرقي منها ، ويعود تاريخ هذا الخان إلى مدّة الحكم الصفوي، ويتشابه هذا الخان مع خانات القوافل الأخرى التي تقع على الطرق الخارجية . وفيما يتعلّق بخان العطشان الذي يقع بين كربلاء والنجف باتجاه الغرب من خان النخيلة ، والى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء بنحو 30 كم فهو بناء قديم يعود تاريخه إلى الفترة التي بُني فيها قصر الأخيضر الشهير في مطلع العصر العباسي .
إنَّ الحفاظ على تلك المعالم التراثية العريقة ضرورة مُلحّة في ظل تصدُّع جدرانها وبقاء بعضها من دون ترميم يتوافق مع الحفاظ على سمتها التراثية التي ارتبطت مع مدينة كربلاء وزائريها الذين خطَّت أقدامهم على مرِّ السنين آثاراً في الصحارى والفيافي لم تندثر ، كانت تلك الخانات دِلالات عليها.
خانات صوب كربلاء