ساعات المدن ظاهرة ثقافية وحضارية مميزة لا تكاد تخلو منها مدينة في العالم, ولا تقتصـر وظيفة هذه الساعات على الناحية الجمالية أو تزيين الساحات، فالكثير منها تضبط حركة المدن و ترسم إيقاعها اليومي، في الوقت نفسه هي تمثل جانباً من تراث وتأريخ المجتمعات في القرن الماضي قبل أن تختفي وتزول أو يمحى أثرها. و لا شك أنها ثروة تراثية لا تعوّض .
وكلنا يعرف الساعة التي تعلو البرج المنصوب على سطح مدخل بوابة قبلة المولى أبي الفضل العباس -عليه السلام- الشهيرة التي يستيقظ أهالي مدينة كربلاء المقدسة الذين يسكنون بالقرب من العتبتين المقدستين على دقاتها القوية ، ويوقِّت الناسُ ساعاتهم على حركات عقاربها, حيث امتازت هذه الساعة بضخامتها و فخامتها إضافة إلى قدمها وجمالها, فقد تحولت خلال ما يقرب من نصف قرن من تاريخها إلى جزء من هوية المدينة ودخلت في نسيجها الاجتماعي، كونها نادرة وذات مسحة آثارية.
يعود تاريخ تشييد ونصب هذه الساعة إلى 1311هـ 1894م حيث شيُّدت من قبل الحاج أمين السلطان وأشرف على نصبها السيد قطب , توجد مثيلاتها في بناية القشلة (منطقة الحيدر خانة) في بغداد وساعة الروضة الكاظمية المقدسة. ارتبط مصير هذه الساعة بمصير الروضة العباسية المقدسة فعندما تعرضت الروضة المطهرة إلى القصف في العهد العثماني تعرضت الساعة هي الأخرى أيضا للأضرار نتيجة القصف المعادي لتراث أهل البيت -عليهم السلام- مما أدى إلى تعطلها عن العمل، كما تعرضت إلى التخريب خلال الانتفاضة الشعبانية عام 1991م-1411هـ، حيث أصيبت القبة الطاهرة للمولى أبي الفضل العباس -عليه السلام- بقذيفة مدفع ثقيل ، وأصيب برج الساعة من جراء ذلك القصف الغادر ، وأصيبت أجهزتها أيضا بأضرار جسيمة ، وفقدت الكثير من أجزائها ، وقد تمكن قسم الشؤون الهندسية والفنية في العتبة العباسية المقدسة بالتعاون مع بعض الخيرين من تصليح الساعة وإعادتها إلى الحياة , وقد أُجريت لها العديدُ من أعمال الصيانة لكنها لم تعُدْ إلى سابق عهدها.
أما المظهر الخارجي لبرج الساعة فتأخذ قمته شكل قبة مذهبة تحتوي في باطنها على أجراس ضخمة عددها ثلاثة تسمع دقّاتها كل ربع ساعة ، وتقوم هذه القبة على أعمدة مذهّبة تشكل فيما بينها ما يشبه الأواوين المقوّسة وعددها ثمانية، تستند هذه الأعمدة على مساحة مربعة تمثل سقف الغرفة الرئيسة للساعة التي تحتوي على ماكنتها.
كان هذا في الماضي القريب أما اليوم فقد تم إدامتها واعادة إعمارها بلمساتٍ عصـريّة جَمَعَت تراث الماضي بحاضر اليوم ضمن مشـروع التوسعة الأفقية التي شهدتها العتبة العباسية المقدسة و التي شملت باب القبلة الذي يعتليه برجُ الساعة، وقد وُضِعَ في عين الاعتبار مشـروعُ برج الساعة فتمّ تخصيصُ مشـروعٍ منفردٍ به كانت أولى مراحله رفع الهيكل القديم من غير إحداث أيّ أضرار فيه، ونصبه على قطعٍ حديديةٍ خاصّة جُـسِّرَت فوق الباب ، وذلك من أجل الحفاظ على هيكلها وشكلها العام .
برجُ الساعة الجديد الذي أصبح مشابهاً للبرج القديم وفي نفس الموقع وبنفس المواصفات والأبعاد ، مع إجراء بعض التغييرات البسيطة على الإطار الخارجي للساعة عن طريق استخدام الكاشي الكربلائي ، أجريت له أعمال عديدة، ليتمّ بعدها التغليفُ بالكاشي الكربلائي المذهّب ومن نوع وشكل الكاشي الموجود في العتبة المقدّسة لخلق حالةٍ من التناظر وتوحيد الشكل.