عندما تخصص أية قطعة أرض لتكون مدفناً لموتى سكان المدينة ، وتكون هذه القطعة خارجة عن منطقة السكن ولم تكن كربلاء لتشذ عن ذلك، فقد خصصت المنطقة المحيطة بالمخيم الحسيني وهي خارج سور المدينة وفي الركن الجنوبي الغربي للسور.
وبعد أن ضاقت المنطقة بالمقابر تم تخصيص قطعة ثانية تبعد عن السور بحوالي خمسمائة متر على طريقة كربلاء ــ الهندية (طويريج)، وبسبب التوسع العمراني الذي امتد ليغطي المناطق المحيطة بها ، تم تخصيص قطعة أخرى تقع على بعد ألف وخمسمائة متر عن المحلة الجديدة ( العباسية الشرقية) على طريق كربلاء ــ نجف ، ولا زالت هذه المقبرة قائمة، وأن يكون الدفن في هذه المقبرة أيضاً ، وخُصصت قطعة أكبر على طريق كربلاء النجف الحالي ، وقد أنشىء إلى جانبها مغتسلٌ حديث بعد أن تم الغاء مغتسلي المخيم والعلقمي اللذين كانا وسط المدينة ، وحتى وقت قريب كان الدفن للعلماء والخدم في الروضتين المقدستين وفي مقابر خاصة على شكل غرف محيطة بالروضة ولسواد الناس الراغبين بالدفن في الصحن المقدس مقابل رسم محدد رسمياً وهو دينار واحد ، في حين كان الرسم عن الدفن في المقابر (الوادي) نصف دينار يتقاضاها موظف رسمي معين من قبل مديرية الأوقاف بعنوان مأمور الدفنية مقابل وصل رسمي ، وهناك مقابر خاصة لعوائل معينة ، كما أنَّ هناك مقابر للعلماء يخصصونها في حياتهم وبأملاكهم الخاصة لدفنهم بها.
أما الآن فقد أوقف الدفن في الروضتين والمقابر المحيطة بها، وتم أضافة مساحات للروضتين، اما المقابر الأخرى كمقبرة السيد محمد المجاهد الطباطبائي ومقبرة السادة الطباطبائية ومقبرة صاحب الضوابط القزويني ومقبرة الشاعر فضّولي البغدادي والكثير غيرها فقد ذهبت ضحية الشوارع العامة بعد التوسع الأخير الذي شمل المدينة ، وانحصـر الدفن للجميع في المقبرة العامة خارج المدينة.
نظام الدفنية : في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي شرع نظام للدفن واعتبر جزءاً من نظام الأوقاف ، وعين بفرمان عثماني الشيخ الحاج عبد الله الحفَّار مأموراً للدفنية في كربلاء ، وتمتد صلاحياته لقضاء النجف وتوابعه على اعتبار أن وادي السلام يمتد من النجف إلى كربلاء ؛ أي أنَّ البقاع الممتدة بين مرقدي الإمام علي -عليه السلام- ومرقد ولده الإمام الحسين-عليه السلام- هي وادي السلام الذي تشير إليه المصادر المختصة ، ذلك أنَّ المدفونين في هذا المكان يحظون بالسلام عليهم في كلِّ ليلة جمعه من قبل خاتم الرسل محمد-صلى الله عليه وآله- والإمام علي والزهراء البتول - عليهما السلام- .
وقد خصص لمأمور الدفنية رسم خمسة روبيات للدفن في المقابر العامة وعشرة روبيات في الصحن ، وسمي هذا الرسم بـ (رسم رفع الصخرة) وهذا غير أجور الدفن التي يتقاضها الحفار القائم بالدفن والتي تعتبر إكرامية، وتزداد وتنقص حسب الحالة المالية لذوي المتوفّي.
وقد أوكل الحاج عبد الله الحفار ابتداءً للقيام مقامه في النجف أحد أفراد أسرة آل شمسه المعروفة هناك ، ولكن الأمر لم يدُم طويلاً ، حتى صدور فرمان آخر للموما إليه، فاستقلَّت مأمورية دفنية النجف عن مأمورية دفنية كربلاء .
قام الحاج عبد الله الحفار باختيار عدد من الأشخاص وأوكل إليهم القيام بعملية الدفن في المقبرة العامة ودفان واحد للدفن في الروضتين المقدستين ، ومسك سجلّاً بأسماء الموتى وعناوينهم قبل وفاتهم ، وصار هذا السجل مرجعاً رسمياً لعدد من المعاملات ومنها معاملات الجنسية.
صارت مهنة الحفّار مهنة موروثة يتوارثها الأبناء عن الآباء وكذلك مأمورية الدفنية فقد ورثها بعد وفاة الحاج عبد الله الحفّار ولده محمد حسين عبد الله وبوفاة الأخير ألغيت هذه الوظيفة ، وقد انتقلت مسؤولية إدارة المقابر من دائرة الأوقاف إلى دائرة البلدية وذلك في أواخر الثمانينات من هذا القرن ، لم يقتصر الدَّفن في وادي السلام سواء في كربلاء أو في النجف ، إنما كان هناك الكثير يدفنون في الروضات الحسينية والعباسية والحيدرية ، وعوائل خدم الروضتين يدفنون موتاهم في غرف الصحن الشريف وكذلك الوجهاء والأشراف ، وهكذا بالنسبة للعلماء ، كما أن الكثير من الجنائز ترد من المحافظات العراقية أو البلدان الإسلامية للدفن في الروضات المقدسة أو بالقرب منها ، لتستظل بظلال سيد الشهداء الإمام الحسين- عليه السلام-
توجد بعض الحالات الخاصة هي ورود رفاة موتى سبق وأن دفنوا في بلدانهم (أمانة) على أمل توفر الظرف الملائمة لنقلهم إلى كربلاء ، وهذه الحالة (الأمانة) مسموح بها من قبل الشرع ، كأن يدفن الميت بصورة اضطرارية في مكان ما ثم ينقل إلى مقابر الموتى في الأماكن المقدسة. فكانت ترد هذه الجنائز على شكل (بقج) جمع بقجة وهي قطعة من القماش مربعة الشكل كانت تستعمل في لف الميت ونقله بها إلى المكان المعد لدفنه، وهي بذلك تكون كبيرة الحجم بحيث تستوعب حجم جسم الميت. أي أن رفاة الميت الواحد يوضع في (بقجة) ومصدر هذا الرفاة من إيران أو الباكستان أو الهند أو الأماكن الأخرى التي يتواجد بها المسلمون من محبي آل البيت -عليهم السلام- وتجدر الإشارة إلى أن قسماً من الناس يدفع مبلغاً من المال بدل حيازته لمساحة معينة لإنشاء مقبرة خاصة له ولأسرته ، والمقبرة هذه تُسيج ويُعتنى ببنائها من حيث الزخرفة، وظاهرة القبر، وتشيد له قبة من الآجر ، والعامة من الناس يشيدون واجهة صغيرة عليها شاهد من الكاشي الكربلائي يؤرخ تاريخ وفاة الفقيد ، وأحياناً تذيل ببعض الأبيات الشعرية التي تتعرض لحياة الآخرة أو بالآيات القرآنية وما شاكل ذلك ، لم تخلُ هذه المهنة من حوادث غريبة أو مشاهدات نادرة ، نجد من الطريف المفيد أن ندون بعضها ونحتفظ بالباقي الكثير لموضوع خاص في مكان وزمان قابل.
يقول الشيخ محمد حسين عبد الله الحفار مأمور الدفنية -رحمه الله-: أن هناك شخصاً اسمه (فرهاد) كان يعمل متعهداً لنقل رفاة الأموات من أنحاء الباكستان عن طريق البحر ثم ينقلها من البصرة إلى كربلاء بواسطة القطار، وكانت هذه العملية مكلفة للغاية رغم أنها أقل بكثير من الكلفة عن طريق الجو. غير أن أجور النقل والرسم عبر الحدود والدفن كان على أساس الفرد لا على أساس الوزن، لذلك كان فرهاد يضع ثلاثة أو أربع (بقج) صغيرة الحجم في (بقجة) كبيرة ويدفع عنها رسم وأجور رفاة واحد ، غير أنه عند الدفن يدفنها كلاً في قبره ، ويدفع عن كل واحد رسماً خاصاً حسب الأصول ، لأنه ملزم بأن يقدم لذوي المتوفّي عند عودته وصل رسم الدفنية كدليل على إنجاز المهمة.
ومن المشاهدات الطريفة أن مجموعة من الرجال كانوا جالسين في مقهى الحاج علي البناء المقابل لباب قبلة الإمام الحسين-عليه السلام- جرَّهم الحديثُ إلى ما يقع في المقابر لا سيما في الليالي الحالكة ، ولكن أحد الجالسين واسمه عبد الحق الموصلي راح يستهزئ بما يقال ، وأعلن إستعداده لفعل أي شيءٍ يطلب منه وفي أي وقت ، فاتّفق على أن يذهب إلى الوادي ويدق مسماراً في عتبة مقبرة في وسط الوادي ، فذهب الرجل بإقدام وكبرياء ، ظن الآخرون أنهم خاسرون لا محالة، وإنه فاعل ما طلب منه. وصل عبد الحق الموصلي إلى المقبرة المقصودة، وبرك بالقرب منها ووضع المسمار على العتبة ولم ينتبه إلى حاشية ردائه فوق العتبة فطرق على المسمار بقوة حتى غاص المسمار إلى آخره في العتبة، فنهض بقوة ليغادر المكان ، فإذا به يسحب إلى العتبة بنفس القوة ، فأطلقها صيحة مدوّية ليخمد بعدها إلى الأبد، وقد سمع المراهنون الذين وقفوا خلف جدار المقبرة دون علمه تلك الصيحة.
إن مقبرة وادي السلام القديمة في كربلاء تنحصـر ما بين بساتين مقاطعة البهادرية وشارع العباس وحي الأنصار والمحلق وشركة الكهرباء الوطنية . مساحة المقبرة اكثر من كيلو متر مربع واحد، تنقسم على قسمين: القسم الأقدم هو الواقع في جهة البساتين الذي يفصله عن القسم الثاني شارع النجف القديم ، والقسم القديم جهة حي الأنصار والملحق .
دفن في هذه المقبرة عدد من الشخصيات منها: إبراهيم الهتيمي سنة 1333 هـ وهو رئيس عشيرة المسعود في كربلاء، والشيخ ملا ياسين العلواني الدليمي رئيس عشيرة البو علوان. وهناك آلاف من القبور دفن فيها الأموات الذين جلبوا من قفقاسيا (منطقة بادكوب) وكذلك القتلى من حادثة الزهاوي على يد الجندرمة التركية من كربلاء.
وهناك كثير من العلماء والسادة والوجهاء مدفونون في القسم الأقدم منهم: وزير حربية ناصر الدين شاه القاجاري ومدرس رئيس الطائفة السيد أبو الحسن الأصبهاني ومرقد العالم السيد محمد السيد عبود آل سيد جودة المتوفى سنة 1363هـ ومنهم السيد محمد السويج البصري.