لا يخفى ما للمدارسٍ مِن أثرٍ كبيرٍ في اكتشاف الطاقاتِ والقابليّات الفتيّة لطلَبَة المدارسِ في الرَّسمِ والخطِّ والزَّخرفةِ وغيرِها من الفنونِ الأخرى، بعد توجيه مُعلَّم أو مدرِّس التربية الفنيّة في إظهار وصقل هذه المواهِب، ولعلَّ أبرزَ هذه الفنونِ هي الرَّسمِ والخطِّ والنَّحت، ففي العهدِ العُثمانيِّ كان أقدم رسَّام عرفته كربلاء هو (كمالُ المَلِك) الذي وفدَ إلى كربلاء بمعيَّة السُّلطان ناصر الدِّين شاه القاجاريّ سنة (1287هـ)، ورسم صورةَ (ميدان كربلاء) بريشته.
وفي مطلعِ الأربعينيّاتِ والخمسينيّاتِ من القرنِ المنصرم ظهر عددٌ غير قليلٍ من أولئكَ الفنّانينَ الذين أبدعوا وتفنَّنوا في الزَّخرفةِ ونحتِ التماثيلِ والنُّقوشِ وغيرها.
برز منهم فنانٌ اسمه ( أسدي ) كان شابًّا في الأربعينَ من عمرهِ، لديه دكّانٌ في القزوينيّة للخطِّ والرَّسمِ، وقد اشتهرَ في الستينيّاتِ ( 1960 - 1967 م) وكان يرسمُ لوحاتٍ على القماشِ ذي المترين ويوزِّعها على الحسينيّاتِ والمواكِب.
رسم صورةً للزَّعيم عبد الكريم قاسم أهداها له عند زيارته لمدينة كربلاء، واستلم جائزةً على ذلك، ومن أبرزِ تلامذته السيِّد علي هاشِم المزوّق، المعروفِ بالرَّسمِ على الكاشيّ الكربلائيّ، أو السيراميك.
كما ظهر فنّانونَ آخرون ورسّامون لهم اليد الطولى في النقشِ والزخرفةِ منهم المرحوم السيّد علي أكبر النقَّاش، والسيِّد إبراهيم النقّاش الذي تفنَّن في النقشِ على الكاشيّ الكربلائيّ، وكان لديه معملٌ في محلّة باب الخان، وهؤلاءِ برَعوا في أساليب الرَّسم وتفنّنوا فيه بشكلٍ لافتٍ للنَّظر، وممّا يؤكِّد تَضلُّع هؤلاءِ الفنّانين في مجالِ الرِّيادة والتَّطوير أنّهم كانوا يقيمونَ معارضَ شخصيَّة أو جماعيّة لعَرضِ إبداعاتِهم ونشاطاتِهم في مختلفِ المجالاتِ التشكيليّة، وقد نالَ الكثيرُ من هؤلاءِ الفنّانينَ جوائزَ وهدايا تقديريَّة من لدُن المسؤولينَ و وجهاءِ المدينة، وذلك اعترافاً بجهودِهم المثمرة، وتشجيعاً لعطاءاتهم المُبدِعة.
ظهرت في الأربعينيّات لوحاتٌ رائعة لبعض الرسّامين تمثّل صوراً لبعض المشاهير والعلماء في العالم، وقد حظيت بإعجاب وتقدير المتذوِّقين والمهتمّين بالفنونِ، وكان من أبرزِ هؤلاءِ الفنّانين طلّاب من ثانويّة كربَلاء كعبدِ الباقي الزجّاجيّ، وحميد العطّار، وسعيد شُعيب، ورفيق أطيمش، وناظِم الرُّفيعيّ، عبد الجبّار الحدّاد، وعبد الله الخَطيب، وكان الأستاذُ الشَّاعر مظهر أطيمش يعدُّ من أبرزِ مُعلِّمي التَّربية الفنيَّة إبّان ذلك العَهدِ، إذْ يمتلكُ أداةً مؤثِّرةً تنسجمُ مع طموحِهِ وأهدافِه الخاصّة والعامَّة.
ولا يخامرُنا أدنى شكٍّ أنّه ظهر فنّ الطَّرق على النُّحاس، ورسم المناظر والأشكالِ الطبيعيّة، ذلك الفنُّ الذي يتميّز بالمهارةِ الفائقةِ والدِّقةِ المتناهيةِ واستعمال الأدواتِ البَسيطة في إظهارِ أشكالٍ معقَّدةٍ على الأواني النحاسيَّة كافّة، وكان أساسُ هذا الفنِّ هو كتابة آية الكرسيِّ أو أسماء اللهِ الحُسنى وأسماء الأنبياء وآل البيت عليهم السلام على الكؤوسِ والأواني النُّحاسيّة التي تُستخدم لسقي المرضى بالماءِ وذلك لغرضِ الشِّفاء، وكان من أبرزِ هؤلاءِ الفنّانينَ خليل إبراهيم، الذي تَعلَّم الطَّرقَ على النُّحاس بشكلٍ دَقيق.
وُلِد خليل إبراهيم سنة (1908م) وقد ورثَ ذلك عن والِدِه، فأجادَ وأبدع حتّى زادَ عليه، ولم يكن يستعمل غير المِطرَقة والقَلَم الحديديّ في ذلك، وممّا يُعرف عنه أنّه كان يكفيه أنْ يرى الشخصَ مرَّةً واحدةً ليرسمَه بعد غيابه، وعندما وافاه الأجلُ يوم ( 9 / 12 /1980م)، ورَث المهنةَ ولدُهُ سالم، وكان يعمل في حانوتٍ صغيرٍ في شارع أبي الفضلِ العبّاس عليه السلام.
ومنهم أيضاً: السيّد صادق ابن السيّد أحمد الشّهرستانيّ النقّاش المولود سنة (1917م)، له إحاطةٌ تامَّةٌ بفنِّ الخطِّ والرَّسم، وله لوحاتٌ رائعةٌ تمتاز ببساطةِ التَّلوين، فهو يستلهمُ من هذا المنظر أو ذاك خصائصَ فنِّه، وكان دكّانه قرب باب صاحب الزَّمان في صحن مرقد ألمولى أبي الفضلِ العبّاس عليه السَّلام فهو خطّاطٌ ورسّامٌ ومُصلِّح ساعات.
ومنهم المرحوم الحاجّ محمّد رضا ابن الشيخ باقر الشَّيبانيّ المتوفّى سنة (1982م)، الذي انحصرت آثارُ فنّه في الكتابةِ والزَّخرفةِ على القماش، بطريقةِ التَّطريز، وانفرد بهذا العمل لعقود عدَّة، وتحملُ خطوطُهُ ونقوشُه طابِعاً فنيّاً تراثيّاً، إذ اعتمد خطَّ الثّلثِ في كتاباتِه، وتظهر النقوشُ البديعةُ على القماش سواء كانت آياتٍ قرآنيَّةٍ أو رسومٍ أو غيرَ ذلك كالزَّخارِف المعروفةِ بـ (الهلكار) والتي تعتمدُ الزَّهرةَ وأغصانَها وأوراقَها أساساً للعملِ الزُّخرفيِّ. وكان محلّه في شارعِ علي الأكبر عليه السّلام يُعرَف بـ ( مطرَّزات روز).
وفي الخمسينيّاتِ وما بعدها تطوَّر هذا الفنُّ إلى حدٍّ ما، وكان الفنّانونَ يتنافسونَ في مواسِمَ خاصّة، كما لمسنا ذلك في إقامةِ المعارضِ والاحتفالاتِ التي كانت تُقامُ آنذاك.
وكانت هناك دوراتٌ فنيَّةٌ يقيمُها أساتذةُ الفنِّ تبرُّعاً وتطوُّعاً دَعماً منهم في تنشئةِ جيلٍ فنيٍّ متميّز قادرٍ على استيعابِ مادّة ثقافيّة تناسبُ الوضعَ الجديد وابتكارِ رؤيةٍ جماليَّةٍ جديدة، وأعني بذلك أنَّ هذا الجيلَ هو امتدادٌ لجيل الروّاد آنف الذِّكر.
ذلك الذي استطاعَ أنْ يختارَ وسيلةً بارعةً في معالجةِ أفكارِه حول الموضوعاتِ الأكثر أهميّة، كما استطاع أنْ يوازنَ بين الموضوع والجمالِ في لوحاتِه عبرَ المعارضِ والاستعراض الرِّياضيّ وغيرها، ولم يكن يشغل الفنّانَ سوى الرَّسمِ والبحثِ عن التاريخِ الأدبيِّ الذي ساعدَ على إنجاز أعمالِه المؤثِّرة في الفنِّ العراقيِّ المعاصِر.
وقد لا يُنكر أنّ موضوع فلسطين والكِفاح الوطنيِّ والقوميِّ للشَّعب وغير ذلك من الموضوعاتِ المعاصِرة هي الوسيلةُ الناجعةُ في معالجة أفكارِ الفنَّانِ و وضوح الرؤيةِ لديه.
أمّا في عقد الستينيّات فقد ظهرت مجموعةٌ من الفنانينَ التشكيليّينَ تسعى لإدخالِ التجارُبِ المعاصرةِ في بناء العمل الفنيِّ، في محاولةٍ للوصول إلى عمق الرؤيةِ الجماليَّة والتعبيِر عن التجربةِ الذاتيَّة الفرديّة للفنّان.
كان هؤلاء الفنّانون يواكبون المسيرةَ الفنيّة ويبحثون عن حقائقِ الإبداعِ والحَداثة، ويركِّزون على التَّرابط بين قِيَم الإبداعِ الفنِّي ومفاهيم التُّراثِ والمعاصرةِ، خاصّة في مجالاتِ الرَّسمِ والنَّحتِ والخزَفِ والكرافيك، مُستندين في ذلك إلى اطِّلاعِهم على آراءِ الفلاسفةِ المُعاصرينَ الذينَ اهتمُّوا بفلسفةِ الجمالِ وأقاموا لها عِلْماً قائمِاً بذاته، أمثال هيجل، وشوبنهور، وبرجسن.
وفي السبعينيّاتِ من القرنِ المُنصرم وما بعدها، أخذ الفنّانون يواصلون السَّيرَ قُدُماً إلى الأمام باتّجاه الكمال الفنّي والظهور على المسرَح الدّوليّ في هذا المجال، وكان من أبرزِ هؤلاء الفنّانينَ: هاشم الطويل، وصاحب أحمد خضير، وحميد العطّار، وفاضل نعمة وغيرهم.
أمّا على الصَّعيد الدّاخليّ، فقد بَرز من المدينةِ فنّانونَ تشكيليّون برعوا في مجال الفنِّ التشكيليِّ، وهم:
حسن عبّود، وحسني أبو المعالي، وحامد طعمة حسن، وفاضل ضامد، وعبد الأمير علوان، وجلال الباشا، وكمال الباشا، ورؤوف الطويل، وغسّان فاضل حسّون الربيعيّ، وغيرهم.
وفي فنِّ النَّحتِ برز: عبد الجبّار الحدّاد، وعدنان علي خليل، وسالم الحدّاد، وفتّاح الحدّاد.
أمّا أبرز المُزخرِفين فهم: عبد الكريم عبّود، والسيّد إبراهيم النقّاش وولده إسماعيل، وعبد المجيد أبو الكاشيّ، والسيّد علي هاشِم الموسويّ، وكان قسمٌ من هؤلاء يمارس مزج الألوان بالرَّسم على الكاشيّ الكربلائيّ (السيراميك) بالتّزويقِ والزَّخرفة، ولا سيمّا السيّد علي هاشم الموسويّ، الذي أبدع وتألّق هذا الميدان.
وفي المدّة الأخيرة، ظهر فنّانونَ مبدعونَ استطاعوا أنْ يكشفوا عن أبرز المشكلاتِ وأكثرَها تقدّمًا، وهو ما يبشِّر بالوصول إلى أهداف ساميَةٍ في مجالِ الفنِّ التشكيليِّ.