لقَد اهتمَّ المسلمونَ باللُّغةِ العربيّةِ اهتمامًا ينقطعُ نظيرُهُ في بقيّة لُغاتِ العالَم، فقسَّموها على اثني عَشرَ عِلمًا، وتَوسَّعوا في كلِّ عِلمٍ مِنها، حتّى أنَّ بعضَها يكونُ مُشتَركًا بين عُلومٍ مختلفةٍ كالاشتقاقِ الّذي يدرَّسُ في عِلمِ الصَّرفِ، والنَّحوِ، والبَلاغَةِ، ومِن تِلكَ المواضِيعِ المُشتَركةِ مَوضوع الحَقيقةِ والمَجازِ، فالدِّراساتُ الأوّليَّةُ لهُ نَجدُها في كتابِ سِيبويه المتوفّى 180هـ، ثمَّ كانتْ هُناكَ آراءٌ أُخرى حولَ ثُبوتِ المَجازِ في اللُّغةِ، فقَد ذهَبَ قومٌ إلى أنَّ الكلامَ كُلُّه حَقيقةٌ لا مَجازَ فيِه، وذهَبَ قومٌ إلى أنّه كُلُّه مَجازٌ لا حَقيقةَ فِيه، وَبعدَ ذلكَ أثبَتَتِ الدِّراساتُ أنَّ اللُّغةَ العَربيَّة فيها الحَقيقةُ، وَفِيها المَجَازُ.
وَقَد ألَّفَ العَلّامةُ المُحَقِّقُ الفَقيهُ الأُصوليُّ الحاجُّ السَّيِّدُ مُحمَّدُ بَاقِر الموسَويُّ الشَّفتيُّ (قُدِّس سِرُّه) المَعرُوفُ بِـ(حُجّةِ الإسلامِ عَلى الإطْلاقِ) هذا الكِتابَ - الّذي جاءَ بجُزئينِ – واحتَوى عَلى مباحِثَ نَفيسةٍ وفرائدَ قيّمةٍ مِن المسائلِ الأُصوليّة والعربيَّةِ، ومبَاحثِ الألفاظِ والمبادئ اللّغويَّة، منها بيانُ ماهيَّة الحقيقَة والمَجَاز، والأَمارات الَّتي بها يحصُل الامتيِازُ بينَ الحقيقَة والمجَاز، وَتَحقُّق الوَاسِطَة في الأَلفاظِ بَينَ المَجَازِ وَالحَقِيقةِ وَتعَارِضِ الأحوالِ وَغيرهما، وتَقسيمِ الحقيقَة والمَجَاز على الأقسامِ المَعروفَةِ، وما يتعَلَّقُ بِها مِن الأُمورِ المُهمَّةِ، واللَّفظِ المُشتَرك، والفَرقِ بَينَ القَرينَةِ الَّتي في المُشتَركِ والَّتي في المَجَازِ، والفَرقِ بينَ اسم الفَاعِلِ والفِعْلِ، ووَجه اعتبَارِ العِلاقةِ في المجَازَاتِ، و تَحديدَها وبَيان أنوَاعِها، ووَجهِ اشتِراطِ العلاقةِ في المَعاني المَجازيَّةِ، وتحقِّقَ الوَاسطةِ في الأَلفَاظِ بَين المَجَازِ وَالحَقِيقَةِ وَتعَارضِ الأَحوَالِ وَغيرهما، والحَقيقة الشَّرعيَّة، والثَّمَرة المترتِّبة على ثبوتِ الحَقيقة الشَّرعيَّة وعدَمِه، وَغير ذلكَ مِن المباحِثِ القيِّمةِ.
فقالَ في أوّلِه بعد خُطبةٍ مُختَصَرة: "هذهِ مقالةٌ أرادَها مِني بعضُ مَن كنتُ أعتني بِصَلاحِ حالِهِ واهتمُّ بإنجاحِ مَقالِهِ وسؤالِهِ، قد بيّنتُ فيها – بإعانةِ اللهِ سُبحانَه – مَباحثَ الحقيقةِ والمجازِ بما لم يُبَيّنْ إلى الآنَ في رِسالَةٍ ولا كِتابٍ، وأوضَحتُ الأمرَ فيها بحيث يَصلُ إلى حَقيقةِ الحالِ كلُّ مَن لهُ أدْنى دربةٍ بِلا ارتيابٍ".
غيرَ أنَّه (قُدِّس سِرُّه) لم يذكُرْ تاريخَ التَّأليفِ، ولكن يَبدو مِن دُعائِهِ لأُستاذِهِ العَلَّامةِ المُحقِّقِ السَّيّد مُحمّد مَهديِّ الطَّباطبائيِّ النَّجَفِيِّ المَعروفِ بِبَحرِ العُلومِ (قُدِّس سرُّه) أنّه ألّفَه قبلَ سَنة (1212هـ) حيثُ توفّي أستاذُهُ فِيها.
ضَمَّ الكِتابُ مقدَّمةَ التَّحقيقِ وَفيها لمَحَةٌ مِن حَياةِ المؤلِّفِ: اسمَهُ ونَسَبَه، ولادتَهُ ونشأتَهُ، اطراءَ العُلماءِ عَليه، زُهدَه وعبادتَهُ، اقامتَهُ الحدودَ الشَّرعيَّة، مَشايخَ روايتِهِ، تلامذتَهُ، أولادَه، مؤلَّفاتَهُ القيِّمة، ثُمَّ وفاتَه ومرقدَه. ثمّ عملَ المُحقِّقِ ومَنهجَه في التَّحقيقِ، كما احتَوى صورًا لنماذجَ مِن النُّسخِ المُعتَمَدة. جاءَ بَعدَها الكِتابُ المُحَقّقُ الّذي رتَّبَه مُصنِّفُهُ (قُدِّسَ سِرُّه) على مقدَّمةٍ وأربَعةِ أبوابٍ وخاتِمة. جاءَت كالتَّالي:
المقدَّمة: في بَيانِ ماهيّةِ الحَقيقةِ والمَجازِ، البابُ الأوَّل: في تَحقيقِ العِلاقةِ، البابُ الثّاني: في الأَماراتِ الّتي بِها يحصلُ الامتيازُ بينَ الحَقيقةِ والمَجازِ، البابُ الثّالِث: في تَحقُّقِ الواسِطةِ في الألفاظِ بينَ المَجازِ والحَقيقةِ وتَعارضِ الأحوالِ وَغيرِها، البابُ الرّابعُ: في تَقسيمِ الحَقيقةِ والمَجازِ إلى الأقسامِ المعرُوفةِ، وما يَتعلَّقُ بِها مِن الأُمورِ المُهمَّة، وخُتِمَ بالفَهارِسِ الفَنيّة.