كلمة مدير مركز تراث كربلاء، التي القاها في الندوة الموسومة بـ: (الشيّخ الكفعميّ.. حياته وجهوده العلميّة)، والّتي عُقِدَتْ صباح هذا اليوم الجمعة (6 ربيع الآخر) الموافق لـ(12 تشرين الثاني 2021م)، وكان نصها ما يأتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلمِ، علَّمَ الإنسانَ مَا لم يعلَمْ، أتمَّ بِنعمتِهِ الصالحات، جعلَ الأرضَ قرارًا وأحاطَها بسبعِ سماوات، وجعلَ فيها أنهارًا وفجاجًا وجبالًا راسيات، أخرجَ منها نباتَ كلِّ شيءٍ وقدَّر فيها الأقوات، نحمدُهُ حمدَ الشاكرين، ونثنِي عليه بما هو أهلُه، والصلاة ُوالسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين سيّدِنا ونبيّنا محمَّدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، شموسِ الدُّجَى، وأعلامِ الهدَى، والعروةِ الوثقَى، والحجّةِ على أهلِ الدُّنيا، ما أشرقتْ شمسٌ وأضاءَ قمَر.
السادةُ الأفاضلُ ، أصحابُ السماحةِ، المشايخُ الكرامِ ، أساتذةُ الجامعاتِ ، المحققونُ الأجلاءُ، السادةُ الضيوفُ الكرامُ مع حفظِ الألقابِ والمراتبِ والمقاماتِ، السلامُ عليكم جميعًا ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه.
اسمحُوا لي أوَّلًا أنْ أتقدّمَ بالشكرِ الجزيلِ والثناءِ الجميلِ لتفضُّلِكم بالحضورِ وتلبيتِكُم هذه الدعوةَ في هذا المكانِ الطاهرِ المباركِ.
أمّا بعدُ فضِمْنَ النهجِ المعرفيّ الذِي أخذَتْهُ على عاتقِها العتبةُ العباسيّةُ المقدّسةُ وعلى رأسِها سماحة المتولّي الشرعي السَّيِّدُ أحمدُ الصافي -دام عزه- شرعتْ بتأسيسِ مراكزٍ علميّةٍ وبحثيَّةٍ وتراثيّةٍ؛ منها مركزُ تراثِ كربلاءَ؛ فكانَ الهدفُ من تأسيسِ هذا المركزِ تسليطَ الضوءِ على الإرثِ المعرفيّ والثقافيّ و العلميِّ لمدينةِ كربلاء المقدَّسة بما يتلاءمُ مع قدسيّةِ هذه المدينةِ ومكانتِها عبر تاريخِها الطويلِ؛ فإنَّها كانَتْ وما تزالُ مصدرَ إلهامٍ علميِّ، ومركزًا حضاريًّا شُيِّدَ بجهودِ علماءٍ ومفكرينَ وأدباءٍ نهلُوا مِن معينِها الصافيّ، وأَرْوَوُا حلقاتَ الدَّرسِ بعُصارةِ أفكارِهِم، فأفَادُوا واستفادُوا.
وقد سعَى مركزُ تراثِ كربلاءَ لتحقيقِ هذه الأهدافِ مِن خِلَالِ روافدَ عديدةٍ منها؛ إصدارُ مجلّةٍ علميَّةٍ محكّمةٍ متخصصةٍ بالتراثِ الكربلائيِّ؛ تحملُ اسمَ (تراثُ كربلاءَ)، صدر منها (28) ثمانيةٌ وعشرونَ عددًا، وإصدارُ مجلّةِ ( الغاضريّة) وهي مجلّةٌ ثقافيةٌ متخصصةٌ بِنشرِ المقالاتِ التراثيّةِ، صدرَ منها (20) عشرونَ عددًا، و إصدارُ مجلّةٍ سنويّةٍ متخصصةٍ بتحقيقِ المخطوطاتِ والرسائلَ المتعلقةِ بكربلاءَ المقدّسةِ وُسِمَت بـ(تراثِ كربلاءَ المخطوطِ) صدرَ العددُ الأوّلُ منها في العامِ الماضِي، والعددُ الثاني قيدُ الطباعةِ في المطبعةِ، إضافةً إلى تحقيقِ العديدِ مِن المخطوطاتِ التراثيّةِ والموسوعاتِ، وتأليفِ موسوعةِ تراثِ كربلاءَ إضافةً إلى تأليفِ الكتبِ التراثيّةِ.
ومِن نشاطاتِ المركزِ إقامةُ العديدِ من المعارضِ الفنيّةِ، وإقامةُ الندواتِ العلميّةِ والتراثيّةِ التي تعالجُ التراثَ بطريقةٍ حواريةٍ ذاتِ طابعٍ توثيقيٍّ محبَّذٍ لدى المتلقّي.
وقد أقامَ المركزُ في العام الماضِي مؤتمرًا دوليًّا بعنوانِ (التراث الكربلائيّ ومكانتُه في المكتبةِ الإسلاميّةِ)، شاركَ فيهِ باحثونَ مِن العراق وسوريا ولبنان ومصر وبرطانيا والمانيا وإيران، وقد وصلَ عددُ الأبحاثِ التي شاركتْ في المؤتمرِ مئتينِ وأحدَ عشرَ بحثًا، وبعد عرضِها على اللجنةِ العلميّةِ ، ودراستِها وتقويمِها مِن نخبةِ من الأساتذةِ النابغينَ، والمحققينَ البارعينَ، قُبِلَ منها مئةٌ وستةَ عشرَ بحثًا ، ورُفِضَ خمسةٌ وتسعونَ بحثًا؛ لعدمِ توافرِ الشروطِ الكافيةِ لقبولـِها.
ولأجلِ إحياءِ تراثِ علماءِ وأعلامِ كربلاءَ المغمورِ قرَّرنَا دراسةَ جميعِ مراحلِ الحركةِ العلميّةِ في كربلاءَ خلال القرونِ السابقةِ، ووقعَ اختيارُنَا على القرن العاشر الهجريّ اوّلًا؛ لعدمِ تسليطِ الأضواءِ على مَا كانَ فيهِ مِن حَراكٍ ونشاطٍ علميٍّ، فدعتْ الحاجةُ للدراسةِ والتنقيبِ في المخطوطاتِ والوثائقِ والإجازاتِ والانهاءاتِ والاستنساخاتِ في هذا القرنِ، فقُمنا بتتبّعِ أعلامِ كربلاء في هذا القرنِ في فهارسِ المخطوطاتِ، والكتبِ الرجاليّة، وفهارِسِ الكتبِ التراثيّةِ والببلوغرافيا، وجمعناهَا في مؤلّفٍ يحمل عنوان (تراث أعلام الحائر في القرن العاشر الهجريّ) سيطبع قريبًا إن شاء الله تعالى، وأعلنا عن إقامة المؤتمر العلميّ الدوليّ الثاني الذي سينعقد تحت شعار (تراثنا هويتنا)، وبعنوان: (حَرَاك كَرْبَلَاءَ الْعِلْمِيّ فِي الْقَرْنِ الْعِاشِرِ الْــهِجْرِيّ)، وذلك بتاريخ 17و18تشرين الثاني2022م، والموافق 23و24ربيع الآخر 1444هـ إن شاء الله تعالى.
وما هذه الندوة التي اجتمعنا لأجلها اليوم إلّا تمهيدًا لهذا المؤتمر آملين من خلال هذا الاجتماع المبارك أن نصل إلى رسم الخطط والسُبل الكفيلة بإحياء تراث أعلام كربلاء في القرن العاشر الهجريّ بما يتناسبُ مع مكانةِ كربلاءَ الساميةِ ويليقُ بها ، فكربلاءُ لها تاريخٌ مُشَرِّفٌ في مجالاتِ الحياةِ المختلفةِ، ولها سجلٌّ حافلٌ بالمآثِرِ والفضائِلِ يفخرُ به كلُّ محبٍّ وموالٍ، و يتمنَّى إبرازَه لأبنائِنا وللعالمِ وتوثيقَه للأجيالِ القادمةِ، ونأمَلُ أن يكونَ هذه المحفلُ المبارك مصدرًا يقتبسُ منه الباحثونُ ومرجعًا يؤوبُ إليهِ الدارسونَ في كتابةِ أبحاثِهم مِن خلالِ ما سيُطرحُ اليومَ على طاولةِ البحثِ والمناقشةِ.
وأمّا أهدافُ المؤتمرِ فيمكنُ إيجازُها بالنقاطِ الآتيةِ:
1- تسليطُ الضوءِ على الحركةِ العلميّةِ في كربلاءَ المقدّسةِ في القرنِ العاشرِ الهجريّ.
2- التعريفُ بأعلامِ كربلاءَ لاسيّما المغمورينِ منهم في القرنِ العاشر الهجريّ.
3- الكشفُ عن مكنوناتِ خزائنِ المخطوطاتِ فيما يرتبطُ بهذا القرنِ.
4- بيانُ استمرارِ الحركةِ العلميّةِ في مدينةِ كربلاءَ في مختلفِ القرونِ.
وأمّا محاورُ المؤتمرِ فهي:
1- (المحور الأوّل ) علومُ القرآنِ والتفسيرِ.
2- (المحور الثاني) علومُ الحديثِ والرجالِ.
3- (المحور الثالث) الفقهُ وأصولُهُ.
4- (المحور الرابع) علومُ الفلسفةِ والكلامِ والمنطقِ.
5- (المحور الخامس) علومُ اللغةِ العربيةِ وآدابُها.
6- (المحور السادس) التاريخُ والسيرةُ.
7- (المحور السابع) المخطوطاتُ الكربلائيةُ (دراسةٌ، تحقيقٌ، نقدٌ).
8- (المحور الثامن) الفهارسُ والببلوغرافيا.
فلقاؤُنا اليومَ بادرةٌ ثقافيةٌ ذاتُ رؤًى وأبعادٍ علميّةٍ محدَّدةٍ تمَّتْ دراستُها والتخطيطُ لها في مركزِ تراثِ كربلاءَ، إذ سنسلِّطُ الضوءَ على شخصيّةٍ علميّةٍ من علماءِ القرنِ العاشرِ الهجريِّ تألّقَ نجمُهُ في سماءِ كربلاءَ ؛ وهو الشيخُ تقيُّ الدِّين إبراهيمُ بن عليٍّ الكفعميّ العامليّ وُلد عام 823هـ في قريةِ (كفر عيما) مِن قُرَى جبلِ عامِل في لبنان، وهاجرَ إلى كربلاءَ المقدّسةِ، وعاشَ فيها خمسةَ عشرَ سنةٍ، وتوفيّ فيها سنة 905هـ، وقد قامَ مركزُ تراثِ كربلاء بتحقيقِ مجموعةٍ من مخطوطاتِه منها:
مختصرُ كتابِ ثوابِ الأعمالِ، ومختصرُ كتابُ عقابِ الأعمالِ، وكتابُ رتقِ الفتوقِ في معرفةِ الفروقِ، و مختصرُ أحسنِ الخلالِ المختصرةِ من كتابِ الخصالِ للقاضِي نجمِ الدِّين مهنّا بن سنان الحسينيّ المدنيّ المتوفّى سنة 754هـ اختصرَهُ الشيخ تقيّ الدِّين ابراهيم الكفعميّ، ومختصرُ كتابِ الخصالِ، وكتابُ المسائلِ العويصِ، وكتابُ قراضةِ النضيرِ في التَّفسيرِ، ومختصرُ لسانِ المحاضرِ والنديمِ، ومختصرُ فهرسِ منتجبِ الدينِ، إضافةً إلى تحقيقاتٍ أُخَر.
وأمّا الكتبُ التي هي قيدُ التأليف في مركز تراث كربلاء بهذا الخصوص فهي:
1-كتابُ الكفعميّ أديبًا ولغويًّا.
2-شعراءُ الشيعةِ في مخطوطةِ حجلةِ العروسِ.
وأمّا الأبحاثُ التي تمَّ نشرُها في مجلةِ تراثِ كربلاءَ حولَ الكفعميّ، فهي:
1- مكتبةُ الشيخِ إبراهيمَ بن عليٍّ الكفعمي
2- أبحاثٌ صرفيَّةٌ ونحويَّةٌ في كتابِ صفوةِ الصّفاتِ في شرحِ دعاءِ السِّماتِ للشيخِ الكفعميّ قراءةٌ في المبانيّ والمعانيّ ـ من البنيةِ إلى التَّركيبِ.
3- الأنساقُ المعجميَّةُ في صفوةِ الصّفاتِ في شرحِ دعاءِ السِّماتِ للشيخِ الكفعميّ قراءةٌ في ضوءِ نَحْوِ النَّصِّ.
4- التَّكوثرُ الدلاليُّ للكلمةِ القرآنيةِ في صَفوةِ الصِّفاتِ في شرحِ دعاءِ السِّمات للكفعميّ.
5- دراسةُ الوظیفةِ الانفعاليّةِ و الإفهاميّةِ و المرجعيّةِ في القصیدةِ المدحيّةِ للکفعميّ في ضوءِ النظريّةِ النقديّةِ- اللسانيّةِ لجاک وبسون.
هذا وقد تمَّ إنشاءُ قناةٍ للمؤتمرِ على التلكرام للتواصلِ وتقديمِ كلِّ ما هو مفيدٌ ونافعٌ للباحثين، تحمل اسم (مؤتمر تراثنا هويتنا الثاني) يمكنكم الانضمام إليها.
وفي الختامِ نتقدّم بالشكرِ الجزيلِ والثناءِ الجميلِ إلى سماحةِ السَّيدِ أحمدَ الصافي -دامَ عزُّهُ- على جهودِهِ المباركةِ في إحياءِ تراثِ أهلِ البيتِ عليهمُ السلامُ، ونشكرُ سماحتَه على تذليلِ الصعوباتِ والمعوِّقاتِ التي تواجهُنا في العملِ وتلبيةِ مستلزماتِ الرقيِّ بالعملِ على الصُّعُدِ كافة. والشكرُ موصولٌ إلى السَّيِّدِ المهندسِ (محمد عبد الحسين الإشيْقر) دامَ تأييدُهُ الأمينِ العام للعتبةِ العباسيّةِ المقدّسةِ على دعمِهِ المتواصلِ لمشاريعِ المركزِ، ونشكرُ السّيّدَ المهندس (عباس موسى) دامَ توفيقُهُ نائبَ الأمينِ العام، والسادةَ أعضاءَ مجلسِ الإدارةِ دامَ توفيقُهم، وسماحةَ الشيخَ (عمار الهلالي) رئيسَ قسمِ شؤونِ المعارفِ الإسلاميّةِ والإنسانيّةِ دامَ توفيقُهُ؛ نشكرهم جميعًا لحرصِهِم ومُتابعاتِهم الحثيثةِ لنشاطاتِ المركزِ كلِّها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.
كلمة الدكتور الغريفيّ في ندوة الشيّخ الكفعميّ