ألقى الأستاذ المساعد الدكتور فلاح عبد علي سركال كلمةَ اللّجنة التحضيريّة، في حفلِ افتتاح المؤتمر العلميّ الدَّولي الثاني الموسوم بـ: (حَراك كربلاء العلميّ في القرن العاشر الهجريّ)، الذي ينظّمه مركز تراث كربلاء التابع لقسم شؤون المعارف الإسلاميّة والإنسانيّة في العتبة العبّاسيّة المقدّسة، وذلك صباح اليوم الجمعة 17 تشرين الثاني - 2023م.

وكانت نصُّ الكلمةِ كما يأتي:

"بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
   الحَمْدُ للهِ الأَوَّلِ قبل الإِنْشَاءِ وَالإِحْيَاءِ، وَالآخِرِ بَعْدَ فَنَاءِ الأَشْيَاءِ، العَلِيمِ الَّذِي لا يَنْسى مَنْ ذَكَرَهُ، وَلاَ يَنْقُصُ مَنْ شَكَرَهُ، وَلا يُخيِّبُ مَنْ دَعَاهُ، وَلا يَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَجَاهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على البَشيرِ النَّذيرِ، والسِراجِ المُنيرِ؛ مُحمّدٍ بنِ عبدِ اللهِ المبعوثِ رَحْمةً للعَالمِين، وعلى أهلِ بيتهِ أولي النُّهى، وأَعلامِ الوَرى، ومَصابِيحِ الدُّجى، وعلى أَصحابِهِ المُنتجبينَ، ومَنْ وآلاه.
   السلامُ على الحسينِ، وعلى الأرواحِ التي حلّتْ بفنائهِ، وأناختْ برحلهِ، السلامُ على أبي الفضلِ العباس سيدِ الماءِ والفداء، السلامُ على الحضور الأكارم ورحمة الله وبركاته.
   أمَّا بعدُ... 
    فما من شكٍّ أنَّ مدينةَ كربلاء واحدةٌ من المُدنِ الاسلاميةِ الخالدةِ التي أَنجبتْ طائفةً كبيرةً من رجالِ العلمِ والفكرِ والمعرفةِ، فكانوا سبباً رئيساً في ازدهارِ الحركةِ العلميّةِ والفكريّةِ فيها، وإثراء علومهِا على امتداد الزمن، ومَثّلتْ نتاجاتُهم الفكريّةُ، ومُصنفاتُهُم المعرفيّةُ الارثَ الثمينَ لهذه المدينة.
   ولمّا كانَ لكربلاءَ هذا التاريخُ المعرفي المُشرِّفُ، وسِجلُّها التراثيُّ الزاخرُ بكُلِّ نفيسٍ وقيّمٍ، أخذَ مركزُ تراثِ كربلاءَ على عاتقهِ الاضطلاع بمهمةِ نَشرِ هذا التراثِ وإحياءِ علومهِ، عن طريقِ دعوةِ الأقلامِ المُبدعةِ؛ الأكاديميّة والحوزوية وغيرها إلى إحيائه، والتنقيب في مكنوناته، وتحقيق مخطوطاته، وبيان قيمتِهِ المعرفية، وإماطة اللثام عما خفي منه؛ لأنَّ قلّة الوعي بالتراث يُمثّلُ سبباً رئيساً في اهمالِهِ، وعدمِ الاكتراثِ له، ومن ثمَّ اندثارهِ وضياعهِ، وبذلك يَفقدُ المجتمعُ هُويَّتَهُ وتتقطعُ به السُبلُ عن أصولهِ الثقافية والمعرفيةِ بفقدانهِ العُلقة والآصرةِ التي تَربطُ حاضرَهُ بماضيه، وبذلك يفقد الأسباب الكفيلة التي تدفعُهُ نحوَ التقدُّمِ والتطوُّرِ والرقي، فقد قِيلَ: إنَّ مَنْ لا ما ضي له لا مستقبلَ له، فالعلاقةُ بالتراثِ تُمثِّلُ النواةَ التي تَصنعُ مستقبلَ الأممِ والشعوب.
   فضلاً عن ذلك أنَّ أهميةَ التراثِ تتأتى من كونهِ السِّجل الحافظ لهوية الأمم، والكاشفِ عن أصالةِ الشُّعوب، إذ إنَّ لكلِّ أمّةٍ هويّتَها الخاصةَ التي تَستمدُّها من إرثها الثقافي والمعرفي، ولا نُغالي إذا قُلنا إنّ التُّراث الكربلائي قد توافر على خصائص التراث المهمة التي جعلته تُراثاً يُعتدُّ به، ويحظى بمنـزلةٍ رفيعةٍ، ويَجِدُ لنفسهِ مَكاناً متميّزاً بينَ التُراثِ الفكريِ البشري، إذ تَبوَّأ مَنزلةً ساميةً، وبلغَ شأواً بعيداً في الجودَةِ والغزارةِ والتَّنوّع، ووقَفَ شامِخًا يصوِّرُ آفاقَ الحياةِ المُختلفةِ، ويُعبِّر عن نَوازع العلماء في شَتّى ميادين الحياة.
  ولذلك يأتي في مُقدمةِ السُبُلِ لنشرِ التراث الكربلائي إحياءُ تُراثِ عُلمائِنا الأعلامِ، وإظهارُهُ إلى النور، ودراسَتُهُ واستِخرَاجُ الكُنوزِ العِلْمِيَّةِ والمعْرِفِيَّةِ مِن تِلكَ الآثَارِ، وإعَادَةُ صِياغَتِهَا بِلُغَةٍ عِلمِيَّةٍ مُعاصِرَةٍ تُسهِمُ في رَفْدِ الحَرَكَةِ المعرفيّةِ بِمُعطَياتٍ عِلْمِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، تَفتَحُ الآفاقَ أمامَ الدّارسينَ والباحِثينَ لِلشّروعِ بِدراساتٍ عِلْمِيَّةٍ رَصِينَةٍ؛ فَضْلًا عن استكمالِ مَسِيرتِهِم العِلْمِيَّةِ بالانطِلاقِ مِن النّتائجِ التي توصَّلُوا إليهَا، والارتقاءِ نحوَ سُلَّمِ التّقدُّمِ العِلمِيِّ، وبذلكَ نَصِلُ الماضيَ بالحاضرِ عَن طَرِيقِ التكامل العلميّ.
     ومِنْ هُنا جاءتْ الرغبةُ في عَقدِ هذا المؤتمرِ العلميِّ الدوليِّ الثاني، الذي حَملَ عنوانَ (حراكُ كربلاءَ العلميّ في القَرنِ العاشرِ الهجري) لكونِ هذا القَرنِ لم يَظهرْ إلى النورِ، وَلَمْ تُسلَّطْ على نِتاجاتِهِ العلميّةِ عَدسةُ البحثِ والدراسةِ، ولم يَحظَ أعلامُهُ بالشهرةِ والذِّيوع، ولم يستوفوا حقوقَهُم من لدُن الباحثينَ والدارسين، فلم يُحصي الدارسون منهم إلّا عدداً قليلاً لا يتجاوزُ أصابعَ اليدِ الواحدةِ، ولهذا شَمّرَ الأخوةُ في مركزِ تُراثِ كربلاء عن سواعدِ الجِدِّ بالبحثِ والتنقيبِ والتنقيرِ عن هؤلاء الأعلام، فَتَكللتْ جهودُهُم بالنجاحِ عن طريقِ إماطةِ اللثامِ عن أسماءٍ جديدةٍ لم يُعرفْ عنها أَنها تنتمي إلى هذا القرن، من أمثالِ السيدِ مُحمدٍ العاملي، مُؤلِّفِ كِتابِ (المدارك) ليصلَ عدَدُهُم إلى ثمانٍ وثلاثين عَلماً، جمعَهُم كتابٌ من إصداراتِ المركزِ، وُسِمَ بـعنوان (تراثُ أعلامِ الحائرِ في القَرنِ العاشر)، وهذه النتائج شَكَّلَتِ الدافعَ الرئيسَ لإقامةِ هذا المؤتمرُ العلميُ المباركُ، ليكونَ ردّاً على ادّعاءِ مَنْ قالَ بعدمِ وجودِ حركةٍ علميةٍ في كربلاء إبّان القرن العاشر الهجري.
    وكان من ثمارِ ذلك أنْ تناولتْ أيدي الباحثينَ هذا التراثَ العلمي بالبحثِ والدراسةِ والتحقيق، فزادَ عددُ البحوثِ الواردةِ للمؤتمر على 75 بحثاً، في مختلف الجوانب التراثيّة المُتعلقة بِتُراثِ كربلاء، لباحثينَ حوزويينَ وأكاديميينَ، من مختلف الجامعات العراقية، ومن دول متعددة، كالكويت والسعودية وايران ومصر ولبنان، وقد قُبِلَ من هذه البحوث 60 بحثاً، بعد أنْ عُرضتْ على لجانٍ علميّةٍ مُتخصصة.
    فضلاً عن ذلك كان لمركزِ تُراثِ كربلاء إسهاماتٌ فاعلةٌ بكثيرٍ من الأعمال التحقيقية لمخطوطاتٍ التراث الكربلائي، واصدارات قيّمة تنتمي إلى هذا القرن، طُبِعتْ ضمن إصدارات المؤتمر، وقد بلغَ عَددُها (واحداً وعشرين إصداراً) من بينِها بحوثُ المؤتمر السابق التي طُبِعتْ في موسوعةٍ وُسِمتْ بـ ( التراثِ الكربلائي ومكانتِهِ في المكتبةِ الاسلاميةِ) وهو عنوان المؤتمر الدولي الأول الذي أقامه المركز، وقد بلغَ عَددُ بحوثهِ أكثرَ من 200 مئتي بحثٍ وقتئذ، وقد طُبِعَتْ البحوثُ التي قُبِلَتْ ضمنَ هذه الموسوعة، وبلغَ عددُ المجلداتِ الجامعةِ لها عشرةَ مجلداتٍ.
   يُضافُ إلى ذلك أنَّ المركزَ طَبَعَ فهرساً لجميعِ أبحاثِ مجلةِ تُراثِ كربلاءِ من حينِ صُدورِها في عام 2014 إلى العدد 36؛ وذلكَ منْ أجلِ مساعدةِ الباحثينَ في التعرّفِ على التُراثِ الكربلائي من جهة، وتسهيل مهمة الوصول إلى أيِّ موضوعٍ من مواضيعِها من جهةٍ أخرى، وكان من بينِ هذه الأبحاث المنشورة أبحاثٌ تخصُّ القرن العاشر الهجري.    
   وأيضاً تنبغي الإشارة إلى أنَّ البحوثَ التي وردتْ إلى المؤتمر قد استوفتْ جميعَ المحاورِ المُحققةِ لأهداف المؤتمر، وقد تنوعتْ ما بينَ أبحاثٍ فقهيةٍ وأصوليةٍ ولغويّةٍ وأدبيّةٍ وكلاميّةٍ وتاريخيّةٍ وترجمةٍ لبعض أعلام الحائر، ومنها في علوم القرآن والحديث النبوي الشريف، فضلاً عن أعمالٍ تحقيقيةٍ لعددٍ من المخطوطات الكربلائية.
   كما تَجدرُ الإشارة إلى أنَّ مركزَ تُراثِ كربلاء يَعقدُ العزمَ على إقامةِ مؤتمرٍ ثالثٍ يُحيي تراثَ مدينةِ كربلاء في القَرن الحادي عشر، بعد سنتين من الآن إن شاء الله تعالى.
  وفي هذا المقام: يُجددُ القائمونَ على مركزِ تُراثِ كربلاء دعوتَهُم إلى الباحثينَ الكرام لرفدِ المركز بالأبحاث والدراسات والمؤلفات والتحقيقات، ويؤكدونَ فتحَ أبوابِ المَركزِ لاستقبال نتاجاتِهم التراثية المتنوعة التي تُثري المشهد العلمي، وتُقدِّم الخدمةَ للتراثِ الفكري والمعرفي لمدينة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
  وفي الخِتام: نتقدّمُ بالشُكرِ والعِرفانِ إلى الأمانةِ العامةِ للعتبةِ العباسيةِ المُقدسةِ، المُتمثلةِ بسماحةِ المتولي الشرعي السيد أحمد الصافي لدعمهِ المُتواصلِ لإحياءِ تُراثِ مدينة سيد الشهداء عليه السلام، والشكرُ موصولٌ لجنابِ الشيخِ عَمار الهلالي رئيسِ قسمِ شؤونِ المعارفِ الإسلاميةِ والإنسانيةِ لمتابعتهِ المباشرةِ لجميعِ حيثياتِ المؤتمر.    
    مثلما نقَدِّمُ عَظِيمَ شُكرِنا وامتِنَانِنا لجميعِ الباحثينَ الذينَ أسهموا برفدِ هذا المؤتمرِ بأبحاثِهم القيمةِ ومُشاركاتِهم العلميةِ، ولا يفوتُنا أنْ نتقدّمَ بآياتِ الشُّكرِ والعرفان لكُلِّ مَنْ شاركَ في إنجاحِ هذا المُنجزِ العِملي.  
  وختاماً ندعو اللهَ أنْ يُسددَ خُطانا، ويأخُذَ بأيدينا إلى خيرِ الدُّنيا والآخرة، إنّه نعمَ المولى ونعمَ النصير، والحمد للهِ ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدِنا ونبينا محمدٍ وعلى أهلِ بيتهِ الطيبينَ الطاهرين".