شهدت مدينة كربلاء المقدسة في القرن التاسع الهجري ازدهاراً علمياً بارزاً بفضل الجهود التي بذلها العالم الكبير الشيخ أحمد بن فهد الحليّ (ت841هـ)، المعروف بشمس الدين بن فهد جمال الدين الحليّ، أحد كبار علماء الإمامية، وصاحب العديد من المؤلفات المتميزة التي تركت أثراً عميقاً في الفكر الإسلامي، منها: عدّة الداعي، التحصين، وأسرار الصلاة.

بعد انتقاله من مدينة الحلة، التي كانت آنذاك مركزاً للإشعاع الفكري والعلمي، أسس الشيخ ابن فهد مدرسته في كربلاء، فكانت هذه المدرسة من أهم المراكز التي أسهمت في تأسيس قاعدة علمية متينة للحوزة الإمامية، وأسهمت بشكل كبير في نمو الحركة الفكرية في المدينة. فقد تحولت إلى منارة يقصدها طلاب العلم من مختلف المناطق، لما عُرف عن مؤسسها من سعة علم وعمق فكر وغزارة تأليف.

ومن خلال تدريسه وتأليفاته القيّمة – ولا سيّما كتابه المهذّب البارع في الشرح النافع – استطاع ابن فهد أن ينهض بالحركة العلمية، وأن يكوّن جيلاً من الفقهاء والعلماء الذين واصلوا مسيرته العلمية والفكرية.

وقد تخرّج من مدرسته العريقة عدد من العلماء البارزين الذين لمع نجمهم في القرن الثامن الهجري، منهم:

الشيخ معد بن الخازن الحائريّ، أحد تلاميذ الشهيد الأوّل (ت786هـ)، ومن رجالات الفكر والأدب والفقه.
علي بن عبد الحسن الحائريّ، عالم فقيه وصاحب رأي، له تعليق على كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاويّ.
علي عبد الجليل، من شيوخ الشيخ علي بن الحسن، وقد قرأ عليه تهذيب الوصول للعلاّمة الحلّي سنة (777هـ)، وكتب بخطه شهادة الإنهاء، وتُحفظ النسخة اليوم في مكتبة الفاضلية.
علي بن الخازن الحائريّ، من العلماء المرموقين الذين تتلمذوا على الشهيد الأوّل في كربلاء، ونال منه الإجازة العلمية.

وهكذا أسهمت مدرسة الشيخ أحمد بن فهد الحليّ في إحياء النشاط العلمي في كربلاء، لتكون حلقة وصل بين مدرسة الحلة العلمية وحوزة كربلاء المباركة، ومصدر إشعاعٍ علميٍّ لا يزال أثره ممتداً في التراث الإمامي حتى اليوم.