يجدُ القارئُ لشعر الشاعر محسن أبي الحبّ الكبير - فضلاً عن الطفيّات- مجموعةً من قصائد الرثاء الخاصّة برجالات الطفِّ غير الإمام الحُسين عليه السلام كأخيه العبّاس وابنه عليّ الأكبر والحر الرياحيّ عليهم السلام، أو تلك التي خصّت أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بشكلٍ عامٍّ ممّا يمكن تسميتها بالقصائد المصاحبة للطفيّات.
ويمكن عد القصائد الخاصّة بذكر مُسلم بن عقيل عليه السلام منها، إذ يعدّ أيضًا من رجالات الطفِّ على الرّغم من عدم استشهاده في أرض المعركة، فهو بداية الشّرارة لانطلاق أحداث الطفّ، إذ انقلب أهلُ الكوفة على الإمام الحسين عليه السلام وتُرجم هذا الانقلاب بقتل سفيره مُسلم بن عقيل عليه السلام ممّا يمكن أن نقول بأنّه أوّل شهيد في معركة الطفّ.
ونلحظ أنَّ هذه المعاني والعلاقات قد طرقها شاعرُنا مُحسن أبو الحَبّ الكبير ،إذ يقول في قصيدةٍ في رثاء مُسلم عليه السلام:
وأعظمُ ما كـان في قلبـه من الهمِّ ذكرُ الحُسينِ النَّبيـلِ
لأبكي مصابَكَ سبطَ الرَّسولِ وكان بكاهُ بعينِ الرَّســولِ
ظَمَأتَ وآليــتَ أنْ لا تـَـعُـبَّ إلّا مِــن الكوثرِ السَّلسبـيلِ
لعِلمِكَ أن ابــن بــنتِ النَّبـيِّ يلقى المنيَّةَ صادي الغَلــيلِ
فكنتَ مواســيهِ قـَـتْلاً بقـَـتلٍ وحــرَّ غَــليلٍ بحرِّ غليلِ
فالأبياتُ توضِّح بشكلٍ جليٍّ الترابطَ الاستشهاديّ بين الإمام الحُسين ومُسلم بن عقيل عليهما السلام والمواساة الحقيقيّة القائمة بينهما والترابط الروحيّ والعقائديّ الغيبيّ بينهما.
بلغت القصائدُ الطفيّة والمصاحبة لها في ديوان الشيخ مُحسن أبي الحَبّ ثلاثًا وثلاثين قصيدةً، شكّلت أكثر من نصف قصائد الديوان البالغة خمسًا وستين قصيدةً، وتمتّعت هذه القصائد في الغالب بتكامل البناء والنَّسج، فضلاً عن اتّضاح إمكانيّة الشاعر اللغويّة والفنيّة فيها، وغلّفت هذه القصائد بغلاف الحزن والغضب، الحزن على ما أصاب الإمام الحُسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه من قتلٍ وسَبي، وتحسّره على أنّه لم يشارك في تلك الأحداث ويستشهد بين يدي الإمام الحُسين عليه السلام والغضب على أعداء الإمام الحسين عليه السلام الذين لم يراعوا حُرمة رسول الله وخانوا وصاياه، وكذلك نجدُ في ختامِها توسَّلاً بمن رثاهم، بل قُلْ مَدَحهم - كما يرى هو - من أهل البيت عليهم السلام واستشفاعاً بهم وطلباً لقضاء حوائجه.
وهذه المحاور شكّلت أبرز ملامح موضوع الطفيّات عند الشيخ مُحسن أبي الحَب الكبير، فنرى حزنه يتّخذُ أبعادًا وألوانًا عدّة تمثّلت بوصفه لمصرع الإمام الحُسين عليه السلام وما مثَّله من قِيمٍ دينيّة وخلقيّة مقدّسة، وما أضفى عليه من وصفٍ لشجاعته وكرمه وظمئه في ذلك اليوم العَصيب، فنراه يقول في أحدى طفيّاته واصفاً يوم الطفوف، بقوله:
يـومُ الطفوفِ وليس يومٌ غيره يُبدي العجائبَ في الزَّمانِ ويعقبُ
يومٌ به بكــتِ السماءُ تفجُّعـاً بـدمٍ فها هي للزَّمـاجرِ تنحبُ
مــا إنْ بكتْ إلّا لأنَّ مُـقيمَها أضـحى يظفرهُ الرّدى ويُـنيِّبُ
إنه يوم ليس كبقية الأيام، يوم بكت السّماءُ دماً وأبدت أنينها وصياحها عليه. وفيها يقول:
بأبي الذينَ جسومِهم فوق الثَّرى رُغماً بفيضِ دمِ المناحِرِ تُخضبُ
بأبي الذيـنَ رؤوسهم فوقَ القَنا تُهـدى لأبناءِ السِّفــاحِ وتُجلبُ
بأبي الذيـن حريمِهم في كربلا أضحتْ برغمِ ذوي الحميّةِ تُسلَبُ
هكذا الأحداث جرت على الإمام الحُسين وأهلِ بيته وأصحابه عليهم السلام إنّها مأساة حقيقيّة يتفجّر الشاعرُ فيها ألمًا وحُزناً ويتّضح ذلك عن طريق تكراره (بأبي الذين) في بداية الأبيات، منطلقاً منها لعرض ما يوجعُه ويؤلمهُ.
ويعيدُ هذا المعنى بصورة أخرى مبتدئًا إحدى طفيّاته، بقوله:
يا وقعةً ما صاح صائِحـُها حتـّى سَمِعنا في السَّما النّدبا
قُتِلَ الحُسينُ فجدّدوا حُـزناً وتـَجلببوا لمـصـابِه ثَوبـا
مَن لم يذُب من أجلِهِ كمَـداً فلقد أصـابَ من الصَّفا قَلبـا
فالشاعر يعلن الحدادَ على الإمام الحسين عليه السلام بعدما سمع ندب السماء وبكائها، ويطلب تجديدَ الحزن على مقتله والتوشُّح بالسَّواد، ويقول إنَّ من لم يذُبْ قلبه حزناً لهول الفاجعة فإنَّ قلبه من حجر قاسٍ لا يلين. ونراه يذكر ذلك اليوم وحرارته في القلوب بصورة أخرى، فهو يقول في بيت تخلصه وبعده:
لــولا البقيّةُ من أبنـاءِ فاطمـةٍ مــا كان يوماً لطلّاب الندى أملُ
أحيوا رسومَ الهُدى من بعدِما طُمستْ آثــارُها ومحاها الحادثُ الجَّـللُ
لا كــان يومُهمُ في كربـلاء ولا طـافتْ عليه به الرُّكبان والرُّسُـلُ
فالشاعرُ يرى في الإمام الحسين عليه السلام ومَن معه في ذلك اليوم أنّهم قد قاموا بإحياء الدِّين بعدما حاول الأعداءُ طمسَه. وهذا الحادث الكربلائيّ تعالى في الذِّكر بين الرُّكبان والرُّسلُ، ولم يهدأ الدّهر من نوائحه ولم تبرد فيه الغلل العطشى، ثمّ يوضّح صورةَ ذلك اليوم الذي اختلّت فيه مقاييس الأشياء والطباع حتّى أصبح الليثُ أرنبًا يجري ليصطاد الوعل، ويأخذ بسؤال الآخر (المتلقّي) ليضمنَ الإجابةَ الحقيقيّة التي أعلنها، فقد رأى في احمرار الشمس عند غروبها صورة الدمع والاكتحال به، ورأى في ظلمةِ الجوّ رداءً حزينًا تشتمل عليه صفات ذلك الجوّ، ثمّ يصل إلى مبتغاه مؤكّداً إيّاه بالقسم (وحقّك) الموجّه للملتقّي، إذ أعلن أنّ كلَّ ما في الدَّهر من كبَد ومعاناة يرجع شرّها من ذلك اليوم الرّهيب، وفي طفّيّة أخرى يُعيدُ إنتاج هذه الصورة ويعطيها ملامحاً أكثر أبعادًا وألوانًا، فقال بعد ما رأى أنّ النواحَ والبكاءَ على آلِ علي -عليه السلام- من السُّنن التي ينبغي الإدمان عليها، وشهادته على ذلك أكبر ودليله أبين، وهو:
هذه أعينُ السَّمـاءِ وهذي أعينُ الأرضِ ودمعُها ما توانا
لم تبارِحْ بكاءَها مُذْ درَت أنّ حُسيناً ذاقَ الرَّدى ظمــآنا
لا أرى للفُراتِ عُذراً وإنْ غارَ مدى الدَّهرِ ماؤهُ غَضبانا
مـا سمِعنا ولا رأينا قَتيلاً مـاتَ والمـاءُ حولهُ عطشـانا
فالشاعر يرى كلَّ الأشياء التي من حوله تبكي حُسيناً، فمن الواجب أن لا يجفو الإنسانُ عن البكاءِ والحزن على آل عليّ عليهم السلام وإلّا كان أجفى الورى وأعدى الأعداء لهم في نظر الشاعر، ولا ينكر لطافة المعاني التي طرقها وصوّرها في هذه الأبيات.
ويعدّ الشاعر هلال المحرّم وأيّام عاشوراء سببًا للبكاء والحزن، بل إنّ قلبه مفتونٌ بتجديد الأسى كلّما هلّ المحرّم، فنراه يقول:
جاءتْ تفـجِّر أكبدًا وعُيوناً أيامَ عاشورا بُكاً وحَنـيناً
ما قيل هلَّ محرّمٌ إلّا انثنى قَلبي بتجديدِ الأسى مَفتونا
أو كان يومٌ منه إلّا كانَ لي سَببَاً إلى طولِ البُكاءِ سِنينا
ثمّ يخاطبُ محرّماً بنبرةٍ غاضبةٍ وكأنّه يحمِّله مسؤوليّة هذا الحزن المتجدّد في كلِّ عام:
لا مَرحباً بكَ يا محرَّمُ لـمْ تَدعْ قَلباً على بشرٍ بهِ مأمونا
ونجده في طفيّة أخرى يستغيثُ بوقعة كربلاء ويعدّها أُمًّا لكلِّ محزونةٍ وحزين، فيقول:
غوثاهُ من ذِكراكِ وقعةَ كربلا يا أمَّ كلِّ حزينةٍ وحزينِ
هكذا يسوقُ الشاعرُ الدليلَ على حزنهِ وغضبهِ من تلك الواقعةِ الأليمةِ التي لاقى الإمام الحسين عليه السّلام فيها المنون، ومن ثمّ وجد الشاعرُ في منون الإمام الحسين عليه السلام مَنوناً له وأيُّ منون، منون الحَسرة والأسى والحزن على سيّد الشهداء الذي يتحدّث عن تضحيته في ذلك اليوم، قائلاً:
في يومِ ألقى للمهالكِ نفسَـهُ كيـما تكونُ وقايةً للدِّينِ
وبيوم قال لنفسِهِ من بـعدِما أدّى بها حقَّ المعالي بيني
أعطيتُ ربِّي موثقاً لا ينقضي إلّا بِقَتلي فاصعدي وذَريني
إنْ كـان دينُ محمِّدٍ لم يستقمْ إلّا بقَتلي يا سيوفُ خُذيني
هذا دَمي فلتروِ صاديةُ الظُّبا منه وهذا للرِّمـاحِ وَتيني
ولاريب في أنَّ الشاعر تمازج روحيّاً مع موقف الإمام الحُسين عليه السلام وذاب فيه إلى درجة أنّه استنطق الموقف بعد ما قرأ الأحداثَ والظروفَ التي أحاطت بأبي عبد الله عليه السّلام فكان واقعُ حالٍ متجسِّد، وصوت حقٍّ مرتفع، مثّل صدى ما أراد الإمام بموقفه وأقواله التي رافقت ذلك، ومن القصائد المصاحبةِ للطفيّات قصيدته في رثاء أبي الفضل العباس عليه السلام وفيما يصطنع الشاعرُ مقارنةً تشبيهيةً جميلةً بينه وبين أبيه الإمام علي عليه السلام فقال:
إذا كان ساقي الناس في الحشر حيدرٌ فساقي عطاشى كربلاء أبو الفَضلِ
عـلى أنَّ ساقي الناسَ في الحشرِ قلبُهُ مـريعٌ وهذا بالظَّما قَلبـُـهُ يَغلي
فالمقارنة تقابليّة شرطيّة، فما دام هناك ساقٍ في الحشر وهو حيدرٌ كناية معروفة للإمام عليّ عليه السلام فهناك ساقٍ لعطاشى كربلاء وهو أبو الفضل عليه السلام ويستدرك الشاعرُ ليخبرنا أنَّ قلبَ ساقي الحشر مريعٌ، أمّا قلبُ ساقي عطاشى كربلاء فهو متحرِّقٌ بالظمأ ويغلي به، وقد جعل الشاعرُ هذين البيتين بدايةً مشحونةً بالتوقّع، فمهّد لأسباب ذلك العطش، فيقفُ على ماء الفرات، ليسألَه، كما وقف الشاعر القديم وسأل الطلَّ ولم يجبه! ولكن ماء الفرات يجيبه على معاتبته وأسئلته، فقال:
وقفتُ على ماءِ الفراتِ ولم أزلْ أقـولُ لــهُ والقولُ يحسنُهُ مِثلي
عَلامـَكَ تجري لا جريتَ لواردٍ وأدركتَ يوماً بعضَ عارَكَ بالغسلِ
إنّها معاتبةٌ مُرّةٌ كشفت عن عمق حزن الشاعر وألمه لما أصاب آل الرسول من قتلٍ وسبيٍ وقد جاء عتابه كحزنه رقيقاً مؤلماً، ثمّ يجيبُ الفرات عن أسئلته وعتابه:
فقال استمِع للقولِ إنْ كنتَ سامِعاً وكُنْ قابِلاً عُذري ولا تكثرنّ عذلي
ألا إنَّ ذا دَمعي الذي أنتَ ناظِـرٌ غـداةَ جعلتُ النَّوحَ بعدهمُ شُغـلي
بِرغـمي أرى مائي يلذُّ سواهُمُ بهِ وهُم صَرعى على عَطشٍ حَولي
جزى اللهُ عنهم في المؤاساةِ عمَّهُم أبا الفضلِ خيرًا لو شهدتَ أبا الفضلِ
فلم يكُن حالُ الفرات بأحسن حالٍ من الشاعر على ما أصاب آلَ محمَّد عليهم السّلام ولعلّ الشاعرَ كما أسلفنا منطلِقٌ من أنَّ كلَّ الوجود بما امتلك من صفاءٍ ونقاءٍ وخير يبكي على الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السّلام لما أصابهم في واقعةِ الطفِّ، فهم الخير والنَّقاء والرَّحمة الإلهيّة المبعوثة للوجود جميعاً، فلا عجبَ بعد ذلك أن يتألّمَ ماءُ الفرات وينتحبَ لما أصابهم.
ونجد الشاعر في قصيدةٍ مُصاحبةٍ أخرى خصّ فيها ابن الإمام الحسين علي الأكبر عليهما السلام قال فيها مستوحيًا موقف الإمام الحسين عليه السلام على ما أصاب ابنه وخطابه لله سبحانه وتعالى، بقوله:
أترضى إلهي عن معاشِرَ أجمَعوا على قطعِ رَحمي ثمّ قَتلي حَلَّلوا
فـكُن شاهِدي إنّي بعثتُ لــهُم شبيهَ رسولِ اللهِ مَن ليس يُجهلُ
شــبيه رسولِ الله ربّي بعثـتُهُ فكُنْ شاهِدي يا مَنْ عليه أُعوِّلُ
ولعلّ تكرار (شبيه رسول الله) في بيتين تدلُّ على خوف الإمام الحسين عليه السلام على ابنه من أعدائه وحزنه عليه وهو محاطٌ بهم، كما تدلّ على التأكيد على الامتداد الرِّسالي بينه وبين جدِّه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلَّم وعدم مراعاةِ الأعداءِ على الرّغم من معرفتهم الشبه بينه وبين جدّه صلّى الله عليه وآله وسَلَّم وهذا الأمر مستوحى من قول الإمام الحُسين عليه السّلام يوم عاشوراء عندما خرج إليهم ابنه علي الأكبر لقتالهم، إذ قال: "اللهمّ اشهد إنّه قد برز إليهم غلامٌ أشبه الناس خَلقاً وخُلُقاً ومَنطقاً برسولِكَ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه،.." وفيها يصفُ شجاعةَ علي الأكبر في المعركةِ وكرّه على الأعداءِ، بقوله:
فكَرَّ وكرّ الموتُ يعدو أمامَه على عَجَلٍ والموتُ إذْ ذاكَ أعجلُ
وناهيـكَ قرمٌ عمّه وأبوه من عَلِمتَ، فقُلْ في أمرهِ كيف يعملُ
ففي البيتِ الأوّل صورةٌ متحرّكةٌ للموتِ مشخّصة أظهر من خلالها إقدامَ عليٍّ الأكبر عليه السلام وعدم مهابتِهِ الموتَ على الرغمِ من عدوّه أمامه، ثمّ يعرِّج على شجاعتِهِ، فهو بطلٌ متميّز، وكيف لا يكون كذلك وأبوه وعمّه مشهود لهما في الإقدام في الحرب والطعن في الأعداء.
ونجدُ الشاعرَ يخاطبُ أصحابَ الإمام الحسين عليه السلام وينعتهم بالحواريّين لابن فاطمة عليها السلام محاولةً منه لإعطاء أبعادٍ دينيّةٍ قرآنيّةٍ لهم بمقارنتهم بحواريّي ابن مريم عيسى عليه السلام فنراه يقول:
أحبّتي مالـَـكم حالفتُم التُرُبَـا لا طابَ بعدَكم عيشي ولا عذِبا
أنتُم لعَمري حواريّي ابن فاطمةٍ إذْ لـم يجبْه سواكُم ساعةَ انتدبا
أنفـقتُمُ في سبيلِ الله أنفسَكُـم فنــِلتُم فوقَ ما أمَّـلْتم رُتَبا
ثمّ يعمدُ إلى مقاربة أخرى يصطنعها بينهم وبين فتية الكهف ويجعلهم أعلى مرتبةً وشرفًا منهم، فيقول:
ما فتيةُ الكهفِ أعلى منكم شَرَفاً أنـتُم أشدُّ وأقوى منـهمُ سَبَبا
ناموا وما نمـتمُ لهفي كنومِـهمُ أنّى وقد قُطِّعتْ أعضاؤكم إرَبا
فرَّوا ومـا قابَلوا واللهِ مِن أحدٍ ومـا فرَرْتُم وقد قابلتُمُ اللُّجَبا
كـان الرَّقيمُ لهم كهفًا يضمَّهُمُ ولـَم يكُنْ كهفكُم إلّا قنًا وظُبا
فهو يعمدُ لأخذِ عيِّناتٍ موضوعيّة من قصّةِ أصحابِ الكهفِ وربطِها بصورةٍ موضوعيَّة أخرى حدثت في واقعةِ الطفِّ، وقد انتقى من تلك الأحداث ما كان عليه أصحاب الإمام الحسين عليهم السلام يوم عاشوراء فوصفهم بالشدّة والقوّة في الاعتقاد والتمسُّك بعقيدتِهم، ثمّ أنّهم لم يفروا وواجهوا عدوّهم إلى أن قضوا في حين فرّ أصحابُ الكهف ممّا كان سيقع بهم من بطش أعدائهم ثمّ فرّوا إلى الرَّقيم ليحتموا به عن أعين أعدائهم بينما لم يفر أصحاب الحسين وكان كهفهم القنا والظبا التي وقعت في أجسادهم وعليها.
ومن قصائده المصاحبة للطفيّات قصيدته في بطل من أبطال الطفّ وهو الحرّ الرياحيّ عليه السلام إذ قال فيه:
ألا يا قتيلاً زعزعَ المجدَ قتــله فأضحى علـيه المجدُ ذا مُقلةٍ عبرا
لئن ساءَ عــيني تحجِّبك الغبرا لقد سرَّ قَلبي أنْ تصافحكَ الخضرا
وما لريــاحٍ لا تهبُّ رياحُـها حواصبَ تستقصي لموتورِها وترا
أما شـملتها بعد موتـِـكَ ذلَّـةً نعم، سلبتْها بعــدَك العزَّ والفخرا
لقد جاء الشاعرُ بصورٍ متحرّكةٍ جميلةٍ استوفى بها موضوعه، فقد جعل للمجدِ عيناً باكية على الحُر، ثمّ أوضح بصورة تقابليّة ما ساءه وما سرَّه من موقفين، موقف الحرِّ وقد حجبته الغبراءُ عن عينه وهو موقفٌ حزينٌ باكي، أمّا موقفه الآخر فهو ما قدّمه يوم الطفِّ، ثمّ يعمدُ في البيت الذي بعده إلى المجانسة التامّة بين الرياح الحقيقية وقبيلة الحُرّ بني رياح التي أراد منها أنْ تهبَّ لقتيلِها وتطلب ثأرَهُ من قَتَلتِه، فقد شملتها الذلّةُ من بعدِهِ وسَلَبتِ العزَّ والفخرَ بعد مقت