ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ نهضة الأمم يُجسّدها رجالها الأفذاذ، فهم يغوصون في لجج بحار الفكر، فيقتنصون شاردات البدائع، ويرفعون بذلك منارات الإشعاع، وتسير الأمّة على أضوائها، وتستضيء بأنوارها، كما أنَّ الأمَّة لا تنسلخ عَن تاريخها فهو وعاء ثقافتها ومنشأ حضارتها، وهنا تتبلور حقيقة الإنسان ويحظى بمكانته المرموقة في المجتمع البشريّ، إذ حفظ مكان أهله في ذلك المجتمع، فالتاريخ مرآة الزمان، وهو يعكس صورة تراجم أولئك الرجال، وأخبار الماضين ليتّبعوا ما جاء به من الذكر الحسن.
وقد شهد تاريخ مدينتنا الحِلَّة الفيحاء بعطائها الثرّ، وما كان ذلك إلّا بفضل رجالاتها الفطاحل في المعرفة والفضيلة، إذ شغف كلٌّ مِنهم بدراسة ما تناغم مع فكره، ومِن لغة القرآن الكريم العظيمة، ومن ذروة الذوق الرفيع، فقد عشق جلّهم اللّغة العربيّة المباركة فأجاد فيها وفي النحو، الذي قال فيه الحسين بن أحمد بن خيران البغداديّ:

يُنزّل النحو من الكلام منزلة الملح من الطعام
ومِن أولئك العمالقة في اللّغة، والنحو، والشعر في القرن السادس الهجريّ:
ابن حُمَيْدَة النحويّ
هو أبو عبيد(عبد) الله محمَّد بن علي بن أحمد الحِلِّيّ النحويّ، وبعضهم يلّقبه ـ خطأ ـ بالحلبيّ، ولد في منطقة النيل سنة(486هـ)، درس عليه كبار علماء اللّغة منهم ابن الخيميّ الحِلِّيّ.
ذكره السَّيِّد هادي حمد كمال الدين بقوله: " حُمَيْدَة، (على وزن قُتَيْبَة بضمّ الحاء المهملة وفتح الميم، تصغير حَمِيد)، وبها عُرف أبو عبيد الله محمد بن علي بن أحمد الحليّ النحويّ، كان معاصرًا للحسين بن عقيل الخفاجيّ(ت575هـ) ومُشاركًا له في العلوم ومزاولًا له في الأدب، وهو مِن الرعيل الأوَّل الذي دَشَّنَ عمارة الحِلَّة أوَّل تأسيسها فكان وردة شذيّة من باقاتها العطرة تنفح بأريج العلم والأدب ".
مؤلّفاته
قال الحافظُ السيوطيّ في كتابه: (بغية الوعاة في طبقات اللّغويِّين والنحاة): " قال ياقوت: كانت له معرفة جيّدة بالنحو، واللّغة وقرأ على ابن الخشَّاب ولازمهُ حتَّى برعَ وصنَّف كتبًا كثيرةً مِنها (شرح المقامات الحريريّة)، و(كتاب التصريف) و(الروضة في النحو) ألّفها بمكّة المشرفة، و(الأدوات في النحو)، و(الفرق بين الضاد والظاء).
شعره
وقالَ السيوطيُّ: " أنشدني محمَّد بن علي بن حُميدة الحِلِّيّ لنفسه أبياتًا نذكر منها:

سلامٌ على تِلْكَ المَعَاهِــدِ والرُّبَى وأهلًا بِأرْبَابِ القِبَابِ ومَرْحَــــــبَا
وسَقْيًا لِرَبّاتِ الحِجَالِ وأهْلِـــــهَا وَرَعْيًــا لأربَابِ الخُـــــدُورِ بِيَثرِبا
أحُنُّ لِتَيّاك الجَمالِ وإنْ غَـــــدَتْ رَبَائِبها تُبْدِي إليَّ التَّجَـنُبَـــــــــــا
وأصْبُوا لَرَبْعِ العَامِرِيَّةِ كُلَّــــــما تَذَكَّرْتُ مِنْ جُرْعَائِهَا لي مَلْعَـــــبَا
فلا هَـــــــمَّ إلّا دُونَ هَمّي غُدْوَةً إذا جَـرّتِ النَكْبَاءُ أوْ هَبَّتِ الصَّبَا "

وذكر ابن الدبيثيّ بأنّه: أديبٌ فاضلٌ، له معرفةٌ حسنةٌ بالنحو والعربيّة.
قرأ ببلدته على شيخٍ كان هناك يعرف بخزيمة، ورحل إلى بغداد وقرأ بها على أبي محمَّد عبد الله أبي محمَّد عبد الله بن أحمد الخشّاب(ت567هـ) ولازمه مدّة، وأخذ عنه علم النحو، وكان له شعر حسن وأخذ الناس عنه ببلده أدبًا وتخرّج عليه جماعةٌ في علم النحو ورووا شيئًا مِن شعره، ويُوصف بالفضل والمعرفة والأدب.
وذكره الذهبيُّ في تاريخه أنّه نحويٌّ بارع حاذق بصير باللّغة، شاعر له شرح أبيات الجمل لأبي بكر بن السراج(ت:316هـ)، وكتاب شرح اللّمع لابن جنّي(ت392هـ)، إلى غير ذلك، وله كذلك:(شرح أبيات الجمل الكبير للزجّاجيّ) في النحو، وذكر العلَّامة الطهرانيّ مِن كتبه(شرح أبيات الجمل) الذي هو تأليف أبي بكر السرّاج، وقال: إنَّه لمحمَّد بن علي بن أحمد الحِلِّيّ المعروف بابن حُمَيْدَة صاحب (الروضة) في النحو، كما حكاه السيوطيّ في(بغية الوعاة) نقلًا عن(معجم الأدباء)، وعطف السيوطيّ على (الروضة) (الأدوات) مع أنّ (الروضة) و(الأدوات) كتابان مستقلّان في النحو، ودرس عليه عبد الكريم بن أحمد بن محمد البوازيجيّ نزيل الموصل (ت611هـ)، مقامات الحريريّ.
كان ابن حُمَيْدَة قد برع في النحو فقد وُصِفَ بالشاعر أيضًا وقالوا: إنَّ (له شعرًا), ولم يصل إلينا من شعره سوى ما أوردناه.
وفاته
وقد أجمع المتقدمون والمتأخرون بأنَّ وفاته كانت في حدود سنة (550هــ) خمسين وخمسمئة للهجرة.