في ذاكرة الثقافة الكربلائية، يبرز اسم عبد العزيز عبد المجيد سلمان الوهاب بوصفه واحدًا من الرواد الذين كرسوا حياتهم للإبداع الموجه للطفل، وجعلوا من الفن والتربية مسارين متلازمين لا ينفصلان. ولد عبد العزيز الوهاب في مدينة كربلاء عام 1938م، وفيها أيضًا أسلم الروح عام 1992م، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الثقافي والفني امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
بدأت ملامح مشروعه الإبداعي تتشكل مبكرًا حين التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، ليتخرج فيه عام 1961م.
ومنذ ذلك الحين، أخذ على عاتقه أن يجعل المسرح وسيلة للتنوير، لا مجرد أداة للترفيه. ومع مطلع سبعينات القرن الماضي، اتجه بشكل واضح إلى الطفل العراقي، وانحصر اهتمامه بمسرح الطفل تأليفًا وإعدادًا وإخراجًا، في وقت كان هذا النوع من المسرح لا يزال في بداياته في العراق.
لم يكن عبد العزيز الوهاب فنانًا منعزلًا في برج عاجي، بل كان مثقفًا منفتحًا على محيطه. فقد تحولت داره الواقعة بين الحرمين الشريفين في مدينة كربلاء إلى ملتقى دائم للفنانين والمثقفين العراقيين والعرب الزائرين للمدينة.
كما ضمت الدار واحدة من أكبر المكتبات الثقافية والفنية الخاصة، ولا سيما في مجال كتب ومجلات المسرح، حتى أن بعض المثقفين عدّوها في حينه أكبر مكتبة فنية خاصة على مستوى العراق.
حصل الوهاب على بعثة دراسية للتخصص في ألمانيا، وهناك تعمقت خبرته في فنون المسرح، ولا سيما مسرح الطفل ومسرح الدمى.
وبعد عودته إلى العراق، قدّم سلسلة من الأعمال المسرحية المميزة على مسارح بغداد، من بينها: “الفرارة الطائرة”، “الوردة والفراشة”، “أصدقاء المزرعة”، والدجاجة الشاطرة”، وغيرها من الأعمال التي ما زالت عالقة في ذاكرة أجيال من الأطفال.
ويُعد عبد العزيز الوهاب أول من أدخل مسرح الدمى المتحركة إلى تلفزيون بغداد، من خلال ثلاثين حلقة تلفزيونية خاطب فيها الطفل مباشرة، رافعًا شعاره الدائم: “التربية أولًا”. كما كان من المؤسسين الأوائل للتلفزيون التربوي العراقي، وأسهم عبره في تقديم العديد من البرامج والأعمال التي جمعت بين المتعة والفائدة.
إلى جانب المسرح، كان الوهاب كاتبًا غزير الإنتاج، نشط في القصة والمسرحية والسيناريو والمقالة والخاطرة، وكتب للبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وأسهم في كتابة قصص الأطفال في الصحف والمجلات العراقية والعربية. كما كتب في التراث الشعبي، متناولًا القصص والحكايات والموروثات والعادات الشعبية، ونشر ذلك عبر مجلة “التراث الشعبي” العراقية. ولم يقتصر عطاؤه على الكتابة المحلية، بل نشر تراجم لنصوص عالمية وألمانية وروسية، إيمانًا منه بأهمية انفتاح الطفل العربي على ثقافات العالم.
وامتد حضوره عربيًا عندما أوفد إلى دولة الكويت، حيث عمل مع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك في العمل الكبير “افتح يا سمسم”، مستفيدين من خبرته الواسعة في فن مسرح الدمى. كما عمل محررًا في مجلتي “مجلتي” و”المزمار” لعدة سنوات، مسهمًا في صياغة محتوى تربوي وثقافي موجه للطفل.
وصدرت له عن دار ثقافة الأطفال مجموعة من الكتب، من بينها: “ما سر جمال الدنيا” (1979)، “عشر قصص” (1981)، “البنت الصغيرة” (1985)، “الأخوة الثلاثة والتفاحة الذهبية” و”الحقائق الثلاث” (1986)، إضافة إلى “الصندوق العجيب” (1989) و”مواطنو شيلد” (1990).
برحيل عبد العزيز عبد المجيد سلمان الوهاب، فقدت الثقافة العراقية واحدًا من أعمدتها الصامتة، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرة الطفولة، وفي كل عمل فني يؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من الطفل.