كانت مدينة كربلاء في العصور السالفة مدرسةً عربيّةً إسلاميّةً، وكانت معاهدها غاصّة بالدّارسين، ومجالسها عامرة بالمتكلّمين والفقهاء والنُّحاة والشعراء.
وإذا ذُكرت الحركة الأدبيّة في القرن الثالث عشر الهجريّ فيها، فإنّ لأسرة آل الرشديّ حصّة الأسد والنصيب الأكبر من ذلك، ولا غرو فإنّ الفضلَ يعود إلى مؤسّس هذا البيت ألا وهو السيّد كاظم ابن السيّد قاسم الحسينيّ الذي أخذ ينهج طريقة أستاذه الشيخ أحمد الأحسائيّ فاستطاع أنْ يجلبَ إليه أنصارًا وأتباعًا ويغدق عليهم من أمواله حتّى ذاع صيته واشتهر أمره. فكانت داره مدرسة فكريّة ووجهة لكثير من شباب ذلك الجيل، حيث تطرح أمامه القضايا الدينيّة ويدور النقاش في العلم والأدب والتاريخ. ومن بين أولئك الذين تتلمذوا على تعاليمه الشاعر اللامع الحاج جواد بدقت. وقد نشأ في هذه المدرسة شعراء آخرون كالشيخ محسن أبو الحب الكبير، والحاج محسن الحميريّ، والشيخ موسى الأصفر، والشيخ فليح الكربلائيّ، والشيخ قاسم الهر وغيرهم. وفي عام (1259هـ) انتهت حياة هذا العالم، وانتقلت الأمور الدينيّة والأدبيّة إلى نجله الشاب الشاعر العالم السيّد أحمدالرشتيّ.
والسيّد أحمد بالإضافة إلى غزارة عِلمه أديبٌ لامع وشاعرٌ بليغ، طارحَ الشعراء وساجلهم، فقد أخذ يقرب أنصار والده، حيث تعهّد بمراعاة عدد كبير من الشعراء فوجّههم وغذّاهم من علومه ومعرفته، وكان ديوانه مسرحًا للفكر والأدب ومهوى أفئدة الشعراء والأدباء الذين يَفِدونه من الحلّة والهنديّة والنجف وبغداد. وكان السيّد أحمد يشهد مناظراتِ الأدباء وملاحاتهم التي تنعقد في هذا الديوان كلّ يوم.
وتتالت الأيّامُ ودار الزمنُ دورته فدبّرت مؤامرة قضت على أديب أسرة (آل الرشدي) وعالمها الوحيد السيّد أحمد وذلك في عام (1295هـ) في حادثة معروفة بكربلاء تعرف بحادثة(علي هدلة) وقد أبَّنَهُ الشعراء.
ولا بدّ لنا ونحن نستعرض تاريخَ حياة هذا الشاعر، أنْ ننقلَ للقرّاء أقوال المؤرّخين الذين ثمّنوا فيه مقدرته العِلميّة والجهود القيمة التي بذلها مخلصًا لأمّته وتاريخها العظيم. فقد ذكره العلّامة الشيخ أغا بزرك الطهرانيّ في كتابه (الكرام البَرَرة) بقوله: «هو السيّد أحمد ابن السيّد كاظم ابن السيّد قاسم الحسينيّ الرشتيّ الحائريّ، عالمٌ أديبٌ كان والده أرشد تلامذة الشيخ أحمد الأحسائيّ، قام بعده برئاسة الفرقة الشيخيّة إلى أنْ توفّي بكربلاء عام (1259هـ) فقام مقامه ولده المترجَم تلميذ أبيه وانتهت إليه مرجعيّة قومه إلى أن قُتل غيلة ليلة الإثنين 17جمادى الأولى (1295هـ)، وقام مقامه ولده قاسم سَمِي جدّه. ترجمه محمّد حسن خان اعتماد السلطنة في المآثر والآثار ص184 وكان المترجَم شاعرًا متين الأسلوب له نظمٌ رائق بديع».
وشاءت الأقدار أنْ يحفظَ التاريخُ اسم السيّد أحمد الرَّشتي طوال ما غبر من سوالف السنين، فقد سجل له صفحاتٍ رائعةً في تخليد الأدب وخدمة المُثل العُليا. وبقي نتاجه الفكريُّ الخالد حيًّا يواكب الزمان. ومازلنا نستطرد أقوال المؤرّخين، فليس من الإنصاف أن نغفل (دائرة المعارف العراقيّة) فقد ورد فيها ذكره بما نصه: «أحمد رشدي وربما يكون اسمه أحمد الرشتي من شعراء كربلاء المشهورين في القرن التاسع عشر تأثّر بظهور الوهابيّين وما صاحب حركتهم من هجمات على كربلاء والنجف وكان أكثر شعره ضدّ الوهابيّين وتمجيدًا بآل البيت عليهم السلام».
ويطول بنا المقام لو أردنا أنْ نستوفيَ ما ورد من أقوال الفقهاء والمتكلّمين في الإشادة بشخصيّة هذا الشاعر، وربّما ستتكرّر العبارات وتُعاد إلى الأذهان مرات.
السيّد أحمد شاعر مناسبات، فتارة يتقرّب إلى سلاطين آل عثمان بمدحه إيّاهم، وتارة ينظم في التهاني والأفراح، وله في الرّثاء أيضًا. وشاعرنا ممّن تأثّر بالحركات الوهابيّة التي انتهت باحتلال نجد والحجاز، فقد عبّر كأخدانِهِ الشعراء بلوعة محرقة عمّا قاسته المدن المقدّسة في العراق وبصورة خاصّة مدينة كربلاء من غارة الوهابيّين الشنعاء التي دلّت على الانتقام من مراقد أهل البيت - عليهم السلام - باسم الدين. وأنّ حادثة غزو كربلاء التي حدثت سنة (1216هـ) المصادف (١٨٠2م) أثارت عواطف شعراء الشيعة قاطبة، لأنّها تجديد لمأساة الطف، وقد استهدفت هدم مرقد الإمام الحسين بن علي - عليهما السلام - ونهب الأموال من خزائن الرّوضة وقتل عشرات الألوف من النفوس الأبرياء.
قال واصفًا طريقه نحو بيت الله الحرام وذلك سنة (١٢٨٩هـ) في قصيدة طريفة تتدفّق فيها العواطف الحيّة والأحاسيس الملتهبة، وهي صورة صادقة لما اعتلجت في نفسه من الخواطر والذكريات في هذه الرحلة البحريّة الشاقة. وفي القصيدة استعارات وجناس، يقول في مطلعها:
أسائلُ أهلَ الحيِّ والدمعُ سائلُ أهلْ في حِماكم للوصولِ وَسائلُ؟
منازلُ كانت بالطفوفِ عهدتُها تقاصرَ عنها في السِّماكِ منازلُ
ومن شعره في الإمام الحسين - عليه السلام-:
رزءٌ لـه الإسـلامُ ضـجّا والـدّينُ والإيـمان رُجّـا
رزءٌ لـه الأمـلاكُ تـنزلُ لـلـعَزا فـوجًـا فـَفوجا
رزءٌ لـه البيتُ الحرامُ بَكا ومــَن لـبّـا وحـَجّـا
رزءٌ لــه رأسُ الـفخارِ بـسيفِ أهـلِ البَغيِ شُجّا
يـا يـومَ عـاشوراءَ يومٌ فـيـه عـرشُ اللهِ عـجّا
يــومٌ بـه سـبطُ الـنَّبيِّ عـلى الـثّرى مُـلقىً مسجّى
لـَهفي لـِزينبَ إذْ دَعـتْ يـا كـافلي أنـتَ المُرجّا
أدعـوكَ مـا لكَ لا تجيبُ ولـيـس لـي إلّاكَ مَـلجا
طـيـبَ الـرُّقادِ هـجرتُهُ إذْ عـذبُ عيشي صارَ مجّـا
أبـكـتْ رزيّـتُك الـكرامَ وأضـحكتْ كـلبًا وعـِلجا
قـد كـنتَ شـمسَ هدايةٍ فاخترتَ فوقَ الرُّمحِ بُرجا
سـفنُ اصطباري قد غرقنَ ومـاجَ بـحرُ الـهمِّ مَوجا
ضـاقـتْ عـلـيَّ فـدافدُ الـدُّنيا فـلَمْ أرَ قـطُّ نَهجا
ومن أشهر تآليف السيّد أحمد الرشتيّ إضافة إلى ديوانه، كتابه الموسوم بـ(شواهد الغيب) تناول فيه عرضَ وتحليلَ بعض المعلّقات وقصائد الشعراء القُدماء، وقد فرغ من تأليفه عصر يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأوّل سنة (1٢٧٤هـ). وللكتاب مقدّمات عدّة لأصدقائه العُلماء والشعراء وفي مقدّمة طويلة يثبت فيها تقاريظ شعراء كربلاء للكتاب المذكور نذكر منها على سبيل المثال ما قاله الحاج محمّد علي كمّونة:
وسمطٌ متى سَرَّحتُ طرفي بنَظمِهِ توسّمتُ درًا فاقَ درَّ القلائدِ
ففي كلِّ حرفٍ منه شاهدتُ شاهِدًا على كلِّ معنىً من معاني الشّواهدِ
ومنهم الحاج جواد بدقت، حيث قال:
يمينًا بما ضمّت جوانحُ أحمد عُلومًا له ألقتْ زمامَ المحامِدِ
بأنَّ عليه العلمُ مدّ رواقَهُ بشأنٍ كفاه عن دليلٍ وشاهدِ
وقال الشيخ موسى الأصفر:
شواهدٌ فاقتْ بمضمونِها شواهدَ المعنى وفهمَ اللبيبِ
رشيقةُ التصنيفِ مطبوعةٌ معجزةٌ جاءتْ بأمر عجيبِ
وقال الشيخ قاسم الهر:
مقاصدُ مولانا العليمِ ابن كاظِمِ بها لجميعِ العالمينَ مقاصِدُ
وللبهجةِ المرضيّةِ النحوُ إذ أتتْ شواهدُ كم منها عليها شواهِدُ
أمّا رثاء الشعراء للسيّد أحمد فإنّه كثير، وقد أبّنه شعراء الحلّة والنجف وكربلاء وتمثّل في شعرهم الحزن الأصيل واللّوعة المحرقة وعظم المصاب، وكان الشاعر الشيخ فليّح الكربلائيّ في طليعة الشعراء الذين تأثّروا بهذا الحادث المفجع، لأنّه فقد أعزّ ما لديه ألا وهو ولده الشيخ محمّد وسيّده الرشتي فقد بكاهما بكاءً حارًا بقصيدة طويلة.
وختامًا نقول: إنَّ الحقبة التي عاشها السيّد أحمد الرشتيّ من عمره القصير يمكن أنْ يُطلقَ عليها حقبة العصر الذّهبيّ، حيث لمت جماعاتٌ كثيرة من شعراء ذلك القرن الذين كانوا بحاجة إلى مركز ثقافي يتزودون منه بالمعرفة، فكان ديوانه ملاذًا لهم ومرجعًا لكلّ طالب وموئلًا لكلِّ راغب، وكان السيّد أحمد يبجّل الشعراء ويقدر أدبهم فلازمهم ملازمة الظل وأغدق عليهم مالًا وحنانًا وسوف تبقى جهوده وخدماته الجليلة للفكر العربيّ والإسلاميّ يُضرب بها المثل.
شاعر المناسبات السيّد أحمد الحسينيّ الرشتيّ أديبٌ لامع وشاعرٌ بليغ